إن فضائح غسيل الأموال لا تزال مستمرة وكان آخرها في استونيا حيث هناك تقارير تشير إلى أن احد فروع بنك دانسك قد تعامل مع حوالي 200 مليار يورو (225 مليار دولار أمريكي) من الدفعات المشبوهة حول العالم في السنوات الأخيرة.
على الرغم من ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي لم يقدما لغاية الآن أي رد منسق للتعامل مع المشكلة..وعملياً يتوجب على الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي العمل معاً من اجل تعزيز التوافق على كيفية التعامل مع هذه المسألة.
إن غسيل ألأمول في شكله الحالي يعتبر جديداً نسبياً. إن التحرر المالي حول العالم والذي بدأ في أواخر الثمانينات أدى إلى زيادة كبيرة في التهرب الضريبي ولكن المشكلة لم تكن ضمن اهتمامات صناع السياسات حتى هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 والتي كشفت عن الرابط بين غسيل الأموال وتمويل الإرهاب ولكن من العوامل الصادمة قرار المحكمة العليا الأمريكية في قضية اتحاد المواطنين ضد مفوضية الانتخابات الفيدرالية بالسماح بضخ مبالغ غير محدودة من الأموال المشبوهة في الانتخابات بالبلاد ومنذ سنة 2016 اصبح غسيل الأموال مجدداً قضية امن قومي.
لقد تعرضت أوروبا كذلك للتدخلات الخارجية ولكنها تواجه أيضا مشاكل مختلفة عن الولايات المتحدة الأمريكية ونظراً لأن النظام المصرفي الأوروبي مفكك ولا يتم تأمينه ومراقبته بشكل كاف، يبدو أن المؤسسات المالية الأوروبية الشمالية لا تدرك دائما النشاطات غير المشروعة التي تحصل من وراء ظهرها وعلى النقيض من ذلك فإن النظام المصرفي الأمريكي يتم تأمينه ومراقبته بشكل كامل ولكن على الرغم من ذلك قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالتغاضي عن ممارسات خارج النظام المصرفي كان يجب منعها.
بعد أن تبنت الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2001 قانون باتريوت لمكافحة التمويل الإرهابي، كان يتوجب على البنوك الأمريكية معرفة عملائها أو المخاطرة بفرض رسوما قاسية جدا عليها وفي فترة الخمس سنوات التي تلت الأزمة المالية سنة 2008، دفعت البنوك في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 230 مليار دولار أمريكي على شكل غرامات لارتكابها مخالفات مختلفة. إن النتيجة هي ان البنوك الأمريكية تشعر بخوف شديد من الوقوع في مشاكل قانونية وعليه قامت بتأسيس دوائر قوية للتقيد والالتزام الداخلي.
لقد كان قانون باتريوت فعالاً في تنظيف العمل المصرفي وطرد البنوك الوهمية المجهولة من النظام المالي العالمي. إن المشكلة هي انه ينطبق فقط على القطاع المالي فمنذ 2002 تم إعفاء القطاع العقاري من الأحكام الرئيسة بالقانون المتعلق بغسيل الأموال بينما توجد أعداد لا تعد ولا تحصى من الشركات الوهمية والتي توجد مقراتها المزعومة في ويلمينغتون وديلاوير وشركات محاماة يمكنها نقل الأموال تحت حماية سرية العلاقة بين المحامي والعميل.
توجد أبعاد عميقة لتلك الثغرات القانونية حيث تقدر وزارة الخزانة الأمريكية انه يتم غسيل مبلغ 300 مليار دولار أمريكي محلياً كل عام وابتداء من يونيو 2018 فإنه يوجد ما قيمته 1.7تريليون دولار أمريكي من الأوراق المالية الأمريكية في جزر كايمان أي اكثر من تلك الموجودة في الصين (وتحتل المرتبة الثانية فقط بعد اليابان ).
بالنسبة لأوروبا فإن هناك قوانين مماثلة ضد غسيل الأموال ولكن الوضع يختلف من جوانب مهمة فالاتحاد الأوروبي ينظر في موضوع شفافية الملكية بشكل جاد. لقد تبنى الاتحاد الأوروبي المبدأ التوجيهي الخامس فيما يتعلق بغسيل الأموال في يونيو 2018 وهو يتجاوز قانون باتريوت بسبب طلبه وجود تقارير عامه عن ملكية المستفيد لجميع الأصول في كل القطاعات وليس فقط القطاع المصرفي.
لكن أوروبا كانت ضعيفة للغاية في مراقبة التدفقات النقدية للبنوك وخارجها. أن الغرامات المفروضة على غسيل الأموال محدودة لدرجة أنها لا تشكل أي رادع حقيقي. إن البنوك نفسها تنظر إلى الإجراءات الوقائية المفروضة على أنها إزعاج بيروقراطي فقط حيث لا يوجد لديها حافز لتطوير دوائر التقيد والالتزام التي يجدها المرء في الولايات المتحدة الأمريكية.
يتوجب على المؤسسات المالية الأوروبية من اجل خلق حوافز مناسبة تبني المثال الأمريكي والبدء بفرض رسوم قوية على التجاوزات المصرفية ولكن المشكلة الأخرى هي أن أوروبا تفتقد لوكالة قوية لمكافحة غسيل الأموال تشبه شبكة ملاحقة الجرائم المالية في الولايات المتحدة الأمريكية وكما اظهر جوشوا كيرشينباوم من صندوق مارشال الألماني ونيكولاس فيرون من معهد بيترسون للاقتصادات العالمية فإن أوروبا تحتاج بشدة إلى هيئة مركزية جديدة للتركيز فقط على هذه المشكلة.
إن قضية بنك دانسك هي دليل على هذا النقص علماً أن بنك دانسك كبنك رئيسي مقره الاتحاد الأوروبي هو تحت إشراف البنك المركزي الأوروبي ولكن سلطة البنك المركزي الأوروبي لا تشمل مراقبة وضبط غسيل الأموال، فهذه المسألة من اختصاص الجهة التنظيمية المالية الدنماركية ولكن لا تستطيع السلطات المصرفية بالدنمارك أن تكون على اطلاع مستمر على نشاطات بنك دانسك في استونيا وحتى عندما أطلقت الجهة التنظيمية الإستونية تحذيراتها،كانت استجابة السلطات الدنماركية بطيئة مما يوحي بأن البنك المهيمن بالدنمارك هو في واقع الأمر اكبر من قدرة السلطات على تنظيمه.
تحتاج الولايات المتحدة الأمريكية بدورها إلى وقف السماح للمالك المستفيد النهائي للأصول الأمريكية بإخفاء هويته. إن بإمكان وزير الخزانة الأمريكي إنهاء الإعفاء المؤقت للأصول العقارية بجرة قلم لكن إلغاء الشركات المجهولة ومنع شركات المحاماة من العمل كبنوك سيتطلب تشريعات فيدرالية، ولحسن الحظ فإن الرئيسة الديمقراطية الجديدة للجنة الخدمات المالية في الكونجرس الأمريكي ماكسين واترز قد وضعت تلك القضايا على رأس أولوياتها.
يجب على الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وقف المشاحنات بينهما حيث يتوجب على الطرفين التعلم من بعضهما البعض وإصلاح العيوب الواضحة في أنظمة الإنفاذ لديهما، ففي اقتصاد العولمة هذه هي الطريقة الوحيدة للتغلب على الأشخاص السيئين.
* زميل تنفيذي في المجلس الأطلنطي ومؤلف الكتاب المقبل:رأسمالية المحسوبية بروسيا: الطريق من اقتصاد السوق إلى الفساد الحكومي

