يبقى قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حساساً للغاية، ويحتاج الدراسة والتروي كثيراً، لكونه يضر بمصالح الناس، ولذا فهؤلاء، من الأفراد العاديين في المجتمع البريطاني، هم الأجدر والأكثر أحقية في اتخاذ القرار بالشأن.

لأشهر عديدة، استخدمت الحكومة البريطانية تهديد البريكست القاسي للانخراط في مناورات برلمانية تتعلق بقضية ذات أهمية وطنية وأوروبية كبيرة، وهذا لا يمكن أن يستمر، ففي الدول الديمقراطية الحقيقية، يجب أن يقرّ القادة السياسيون بحدود سلطتهم ومقدرتهم، ولهذا السبب يجب على البرلمان أن يقدّم للناس القرار بالبقاء في الاتحاد الأوروبي أو قبول اتفاقية الخروج.

لقد بدا لفترة من الزمن وكأنّ رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ومناصري حكومتها في البرلمان قادرون على أن يقرروا وحدهم بالنسبة إلى بريكست، علماً أنه من خلال سلسلة طويلة من التصويت التكتيكي على كل أنواع التفاهات ومع وجود البديل المتمثل «ببريكست من دون اتفاق» المسلط على رؤوس النواب مثل سيف داموكليس، فلقد حاولت حكومة ماي التلاعب بنهاية اللعبة بالنسبة إلى بريكست، علماً أن نهجها خدع الناس في المملكة المتحدة وأوروبا فترة طويلة.

لكن الطاولة انقلبت الآن، فجون بيركو، رئيس مجلس العموم البريطاني، والدول السبع والعشرون الأخرى في الاتحاد الأوروبي أنهوا هذا العبث غير المحترم، ما أجبر الحكومة والبرلمان على اتخاذ القرارات.

طبقاً لحكم رئيس مجلس العموم البريطاني بتاريخ 18 مارس لا تستطيع الحكومة أن تعرض مجدداً على البرلمان اتفاقية الانسحاب الحالية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، على أن يكون البديل بريكست قاسياً، وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي قد مدد الموعد النهائي لبريكست في 29 مارس، فإنه غير راغب في تعديل الاتفاقية.

ونتيجة لذلك، فإن البرلمان يجب أن يقرر قبل 12 أبريل الأنسب بين ثلاثة خيارات. يمكن للبرلمان أن يقبل صفقة البريكست الموجودة حالياً على الطاولة، وفي تلك الحالة ستخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بتاريخ 22 مايو، أي قبل بداية انتخابات البرلمان الأوروبي بيوم واحد، والبديل عن ذلك هو أن تختار بريطانيا المشاركة في الانتخابات الأوروبية، وتقترح خطة عمل جديدة مثل إقامة استفتاء ثانٍ على عضوية الاتحاد الأوروبي، وطبقاً لمثل هذا السيناريو سيقوم الاتحاد الأوروبي بمنح بريطانيا تمديداً طويلاً للموعد النهائي لبريكست من أجل إتاحة الوقت للاستعداد للخطوة المقبلة.

لو لم يختر البرلمان أياً من تلك الخيارات، فلن يتبقى له إلا الخيار الثالث، وهو بريكست قاسٍ من دون اتفاق بتاريخ 12 أبريل.

نظراً إلى أن ماي لم تستطع الحصول على أي تعديل على اتفاقية الخروج من الاتحاد الأوروبي، لا يستطيع البرلمان التصويت مجدداً من أجل أن يختار بين هذا الاتفاق وبريكست قاسٍ، ولو أصرّ بيركو على موقفه وبقي الاتحاد الأوروبي ثابتاً في موقفه فيما يتعلق باتفاقية الانسحاب الحالية فإن البدائل في حالة أي تصويت برلماني جديد يجب أن تكون بين بيركست منظم بموجب بنود الاتفاقية أو استفتاء آخر، ولو كان هناك استفتاء جديد، ربما سيجب على الناخبين البريطانيين الاختيار بين بريسكت منظم أو البقاء في الاتحاد الأوروبي، لأنه لا أحد سيجرؤ على أن يعرض بريكست قاسياً بديلاً.

حتى وقت قريب كان من غير المرجح أن يتم تغيير قرار الناخبين البريطانيين سنة 2016 بالخروج من الاتحاد الأوروبي، ولكن تدخلات بيركو والاتحاد الأوروبي قد فتحت آفاقاً جديدة، ما زاد بشكل كبير من احتمالية عدم حدوث بريكست، وهذا سيحبط المضاربين في الأسواق، الذين كانوا يراهنون على الخروج، وهذه تعد أخباراً طيبة لكل من بريطانيا والاتحاد الأوروبي.

قبل ثلاث سنوات تقريباً، لم يكن الناخبون البريطانيون يعرفون ما الذي كانوا يفعلونه عندما قرروا بغالبية بسيطة الخروج من الاتحاد الأوروبي. قلة من هؤلاء الناخبين كان لديهم أفكار واضحة عن ما الذي يعنيه مثل هذا الخروج باستثناء بعض المفاهيم الرومانسية عن إعادة إحياء الكومونويلث، ولكنّ الموقف اليوم بعد سنتين من التفاوض على اتفاقية خروج بريطانيا مختلف تماماً.

على سبيل المثال، توحي اتفاقية الخروج بوجود حاجز جمركي في البحر الأيرلندي، وهكذا ضمن المملكة المتحدة، للناس والخدمات ورؤوس الأموال. فقط البضائع يمكنها أن تعبر هذا الحاجز من دون ضوابط، ولكن في أيرلندا الشمالية سيستمر تطبيق الحريات الأساسية الأربع للاتحاد الأوروبي (مع استثناءات بسيطة): حرية الحركة لرؤوس الأموال والخدمات والناس والبضائع من دون جمارك ورسوم وضوابط.

إن هذا لا يهدد سلامة أراضي المملكة المتحدة فقط، ولكن بريطانيا العظمى كذلك، ففي واقع الأمر لا يمكن أن نستبعد أن تقوم أسكتلندا بإجراء استفتاء آخر على الاستقلال على المدى المتوسط عندما تدرك أن أيرلندا الشمالية التي بقيت مرتبطة بشكل وثيق مع الاتحاد الأوروبي حصلت على صفقة أفضل.

لقد أصبح الشعب البريطاني أفضل اطلاعاً على بريكست وتداعياته المحتملة مقارنة بوضعهم عند حصول الاستفتاء سنة 2016، ونظراً للغالبية البسيطة لبريكست في ذلك الوقت والطريق المسدود الذي وصلت إليه المؤسسات البريطانية، فإن إقامة استفتاء آخر إجراء مناسب وضروري.

* أستاذ الاقتصاد في جامعة ميونيخ، ولقد عمل رئيساً لمعهد إيفو للأبحاث الاقتصادية، وهو عضو في المجلس الاستشاري لوزارة الاقتصاد الألمانية.