لقد فعلها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مرة أخرى. في سنة 2018 نتج عن احتمال رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية هبوط في الأسواق الناشئة، ولكن حتى الآن في هذا العام فإن المؤشرات بموقف أقل توتراً بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي قد عزز من عملات الأسواق الناشئة وأسواقها المالية على الرغم من وجود مخاوف من حرب تجارية أمريكية - صينية محتملة وتباطؤ اقتصادي في معظم الاقتصادات الرئيسية وانتشار الشعبوية.

في طول أمريكا اللاتينية وعرضها تنفست العملات والبنوك المركزية الصعداء، فالأسواق كانت تتوقع سياسة نقدية أكثر تشدداً في عدد من البلدان بما في ذلك تشيلي وبيرو والمكسيك، واليوم تتركز الأحاديث عن تبني نهج الانتظار قبل سحب التحفيز النقدي.

حتى في الأرجنتين التي لا تزال تصارع الشر المزدوج المتمثل في التضخم المرتفع وثقة المستثمرين المنخفضة، فإن السيناريو الخارجي الحميد سمح بعمل تخفيض في أسعار الفائدة للبيزو، وإن كان هذا التخفيض لفترة قصيرة.

لكن متابعة الاحتياطي الفيدرالي كظله تعني أن البنوك المركزية في أمريكا اللاتينية تتخلى عن مرونة السياسات، أو ما يطلق عليه الاستقلال النقديـ، والتي تسمح بها أنظمة تعويم سعر الصرف في بلدانها، والأكثر من ذلك أن صناع السياسات يخاطرون بالاعتماد بشكل مكثف على تخفيضات محتملة في سعر الفائدة بالولايات المتحدة من أجل تعزيز اقتصادات المنطقة، ولا يعتمدون بشكل كافٍ على إصلاحات هيكلية أصعب وإجراءات للترويج للصادرات.

نظرياً، البلد الذي فيه عُملة تم تعويمها يمكن أن يستخدم أسعار الفائدة المحلية في التخفيف من التضخم والناتج المحلي مع ترك سعر الصرف يرتفع أو يهبط حسب الضرورة من أجل تحقيق التوازن الخارجي، ولهذا السبب فإن معظم الأسواق الناشئة قد لجأت إلى أسعار الفائدة التي تم تعويمها، ومن ثم فإن ربط العملة الثابت مع إمكانية التعديل الذي كان منتشراً في أمريكا اللاتينية في السابق قد أصبح شيئاً من الماضي الآن.

إن التغيير يعد بشكل عام ناجحاً، ولكن الممارسة كانت مختلفة تماماً عما توقعته النظرية.

عندما رفعت الولايات المتحدة الأمريكية أسعار الفائدة العام الماضي، كان من المتوقع أن تتبعها أمريكا اللاتينية، والآن يبدو أن الاحتياطي الفيدرالي يتمهل في ذلك، وهذا ينطبق كذلك على البنوك المركزية فما الذي يحصل؟ ما الذي حصل للاستقلال النقدي؟ ألم يكن من المفترض أن تحدد الظروف المحلية أسعار الفائدة المحلية؟

غير صحيح، فعلى الرغم من أن تحركات العملة التي تمتص الصدمات هي شيء جيد، يبدو أن العاملين في البنوك المركزية يعتقدون أن الكثير من شيء جيد يمكن أن يصبح سيئاً. دعونا نتذكر العنوان الذي لا ينسى للورقة البحثة التي كتبها جاليرمو كالفو وكارمن راينهارت قبل عقدين قريباً: «الخوف من التعويم».

إذن عندما ترتفع المعدلات في الولايات المتحدة الأمريكية فإنها تفرض ضغطاً تنازلياً على العملات المحلية، وعادة ما تحذو البنوك المركزية في الأسواق الناشئة حذو الاحتياطي الفيدرالي، وهذا يعود جزئياً للحد من الضغوط التضخمية، نظراً لأن هبوط العملة المحلية يجعل البضائع المستوردة أغلى ثمناً.

إن العاملين بالبنوك المركزية في الأسواق الناشئة يريدون أيضاً حماية الميزانيات العمومية للمصارف والشركات المحلية التي عادة ما تقترض بالدولار والتي ستواجه مصاعب أكبر في السداد لو هبطت العملة المحلية.

والآن وبعد أن خفف الاحتياطي الفيدرالي من موقفه فإن من المحتمل أن يحذو صناع السياسة في أمريكا اللاتينية حذو الولايات المتحدة الأمريكية.

بادئ ذي بدء، فإن معظم البلدان تشعر بقلق أكبر من النمو البطيء مقارنة بالتضخم هذه الأيام ولا تريد عملاتها أن ترتفع بشكل حاد، وعليه فإن التخفيف المحتمل للاحتياطي الفيدرالي يعطي صناع السياسات الفرصة لضخ المزيد من الفيتامينات النقدية في الاقتصادات الأمريكية اللاتينية مع مخاطرة محدودة تتعلق بالتضخم الأعلى أو من دون مخاطرة على الإطلاق.

إن التجربة الأرجنتينية مؤخراً تسلط الضوء على سبب آخر لخفض أسعار الفائدة كما يفعل الاحتياطي الفيدرالي. لقد ارتفعت المعدلات المحلية بشكل حاد ابتداءً من الربع الثاني لسنة 2018 وذلك من أجل احتواء ارتفاع التضخم وتعزيز البيزو المتهاوي، ولكن المعدلات غير المسبوقة (التي وصلت إلى 60%) كانت تسبب زيادة كبيرة في ديون البنك المركزي وهي ظاهرة يطلق عليها الاقتصاديون «الحساب النقدي غير السار»، وعليه عندما بدا الاحتياطي الفيدرالي وكأنه من الحمائم قام البنك المركزي الأرجنتيني بتخفيض المعدلات على أمل منع زيادة الدين بشكل كبير.

إن النظرة بأن السياسات النقدية لمعظم البلدان هي في واقع الأمر تصنع في العاصمة الأمريكية واشنطن كانت منتشرة لبعض الوقت. لقد جادلت هيلين راي من كلية لندن لإدارة الأعمال بأن الظروف المالية والائتمانية المحلية تعكس ما الذي يريده الاحتياطي الأمريكي، وبغض النظر تقريباً عن نظام سعر الصرف. إن فكرة «الدورة المالية العالمية هي قابلة للتحقيق ولكن لا تزال مثيرة للجدل».

إن الأخبار الطيبة هي أن معظم اقتصادات أمريكا اللاتينية هي أكثر استعداداً هذه الأيام للتعامل مع تغيرات سعر الفائدة الأمريكية، ففي الماضي لم يكن للبنوك المركزية في أمريكا اللاتينية أي خيار سوى أن تتبع زيادات الأسعار للاحتياطي الفيدرالي لأنها كانت تحتاج لجذب الأموال الأجنبية لتغطية العجز الضخم في الحساب الجاري، ولكن هذه الأيام فإن العجز الخارجي في الاقتصادات الرئيسية في أمريكا اللاتينية أقل بكثير، عادة 1-2% من الناتج المحلي الإجمالي، وعليه تعتمد بشكل أقل جداً على التمويل الأجنبي.

إن الأخبار السيئة هي أن العجز الأقل في أمريكا اللاتينية يعكس استثماراً أقل نسبياً عوضاً عن مستويات مرتفعة من الادخار. لقد أصبح النمو في المنطقة باهتاً منذ انتهاء طفرة السلع قبل خمس سنوات، ويبدو أن الوضع سيستمر كذلك للمستقبل المنظور.

إن استمرار الوضع القائم بالاعتماد على سياسة نقدية أمريكية أقل تشدداً من أجل تحقيق طفرة النمو المقبلة في المنطقة لن يحقق النجاح. إن اللمسة السحرية للاحتياطي الفيدرالي يمكن أن تكون مغرية، ولكنها ليست بديلاً عن الإصلاحات الاقتصادية طويلة المدى والأكثر عمقاً والتي تحتاجها أمريكا اللاتينية بشدة.

* مرشح رئاسي سابق ووزير مالية سابق في تشيلي.

يعمل حالياً عميداً لكلية الإدارة العامة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.