بينما تواصل الثورة الرقمية تقدمها السريع في الاقتصادات المتقدمة، يتزايد خطر تراجع أمريكا اللاتينية إلى الوراء. ولتفادي هذه النتيجة، ينبغي أن تجد المنطقة طرقاً تستغل من خلالها الفرص التي تخلقها التكنولوجيا الجديدة للتجارة والبحوث وربما لأكثر الأمور إلحاحاً الإدارة العامة.

وليس من الصدفة أن تكون لدى اقتصادات العالم الأكثر تنافسية - بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة و كوريا الجنوبية وسنغافورة - أكثر أنظمة الإدارة العامة حداثة وتطوراً ونجاعة. ولأنها تدرك المكاسب الواسعة النطاق، والبعيدة المدى التي جنتها من ترتيباتها المؤسساتية القوية، اشتغلت هذه الدول بنشاط من أجل ضمان استمرارية تطوير قطاعاتها العامة.

ونهضت هذه الدول، على الخصوص، بروح المقاولة في مجال يطلق عليه تكنولوجيا الحكومة، معَزِّزة للابتكارات التي تقوم بها المقاولات المتوسطة الحجم، والشركات الصغرى التي تعتمد على تحليل البيانات، والتي تُركِّز على تعزيز فعالية الإدارة العامة. وتخلق هذه المقاولات نماذج تجارية قابلة للتوسع، والاستجابة للطلب على تطوير التكنولوجيا الجديدة والحلول الابتكارية وتطبيقهما في القطاع العام.

ويظهر هذا النوع من المقاولة الخلاقة في الدول اللاتينية أيضاً، وتصحبها موجة من شركات تكنولوجيا الحكومة التي تقدم حلولاً متطورة لمواجهة التحديات المتعلقة بالإدارة العامة والتي استمرت طويلاً. وفي الأرجنتين، مثلاً، هناك ما يطلق عليه اسم مونيديجيتال، وهي منصة تهتم بتحسين تدبير الخدمات التي تقدمها البلديات عن طريق جمع البيانات المستحدثة والمتاحة، وهناك أيضاً أبتيريكس وسيغناتورا، وهما نظامان يقدمان حلولاً تعتمد على سلسلة الكتل (قاعدة بيانات موزعة) للتدبير العام والتوقيعات الرقمية، على التوالي. وفي كولومبيا، يدعم برنامج داتاسكيتش البيانات الضخمة والمفتوحة لخلق قيمة عامة.

وتدعم المكسيك فيزور أوربانو، وهو برنامج يعمل على تسريع عمليات الحصول على تراخيص تجارية وتراخيص البناء وجعلها فعالة. ولدى البرازيل ما يطلق عليه اسم لينت، الذي يدعم برنامجه أتمتة الوثائق ومراقبة سير العمل، ولديها أيضا فاسيليت، الذي يطور لوحة أجهزة البيانات لمراقبة سير العمل. وخارج أمريكا اللاتينية، لدى اسبانيا بيانات حضرية خضراء، وهو نظام ينتج برنامجاً يسهل عملية اتخاذ القرارات بشأن تغير المناخ.

ومثل هذه المقاولات الابتكارية هي بالضبط ما تحتاج إليه الإدارة العامة في أمريكا اللاتينية. ومع ذلك، تبقى سوق الحلول التكنولوجية للإدارة العامة - التي تنتج أكثر من 400 مليار دولار سنوياً على مستوى العالم - تحت سيطرة شركات التكنولوجيا الكبرى. وإذا اتخذت الحكومات خطوات لفتح هذه السوق لشركات تكنولوجيا الحكومة الصغرى، فإنها ستعزز الاختلاف والمنافسة، مما سيشجع المزيد من الابتكار مع تركيز أقوى على المستخدم النهائي.

ولبلوغ هذا الهدف، ينبغي على حكومات أمريكا اللاتينية التدخل على الأقل في ثلاثة مجالات. أولاً، عليها اعتماد سياسات تنظيمية، من أجل تسهيل الحصول على التكنولوجيا من شركات تكنولوجيا الحكومة الصغرى. وينبغي أن تقلص مثل هذه الأطر التنظيمية الحواجز التي تعرقل دخول الشركات الصغرى إلى السوق، وأن تبسط دورات المبيعات، وأن تنهض بالطلب العام على الابتكار. فمثلاً، تختبر كولومبيا وإسبانيا معايير الابتكار على عمليات التحصيل العام، من أجل مساعدة الهيئات الحكومية على إيجاد حلول بديلة للتحديات التي تواجهها. وخلقت العديد من الحكومات، مثل حكومة الشيلي وكولومبيا والبرتغال والأوروغواي، مختبرات للابتكار في حدود الوحدات الحكومية لتطوير الحلول المسببة للاضطراب وتسريعها في ترتيبات تشبه صندوق الرمل.

وعلى الحكومات أن تتخذ أيضاً إجراءات قانونية وتنظيمية ومالية وتعاقدية من شأنها أن تساعد الشركات الصغرى على النجاة من «وادي الموت»- أي، المراحل الأولى من تطور الشركات الصغرى، أي تلك التي لم تبدأ فيها المنتوجات أو الخدمات بعد، في تحقيق أرباح من المستهلكين أو المستخدمين. مثلا، سَنَّت الشيلي قانوناً يحدد بشكل صارم أجل الدفع في 30 يوماً بالنسبة للشركات الصغرى والمتوسطة. وهذا سيحقق مكاسب للشركات الصغرى أكثر من غيرها.

وأخيراً، ينبغي على الحكومات أن تعزز، على الأقل، في البداية، السوق الصاعدة للحلول التكنولوجية للإدارة العامة عن طريق تمويل الاستثمار، وزرع رأس المال من أجل شركات تكنولوجيا الحكومة الصغرى، خاصة في المراحل الأولى لنموها. إن صناديق رأس المال الاستثماري - التي توجد غالبيتها في الولايات المتحدة الأمريكية - تشك في الشركات التي يعتبر القطاع العام زبوناً لها، لأنها تأخذ وقتاً طويلاً قبل أن تقوم بأي منافسة. وتحتاج هذه الشركات لمستثمرين لديهم آفاق طويلة الأمد، تتراوح، مثلاً، من 3 إلى 5 سنوات.

وهنا يأتي دور القطاع العام. فمن أجل سد ثغرات الاستثمار الأولية، بدأت بعض الدول بالفعل بخلق موارد مالية عامة لتعزيز شركات تكنولوجيا الحكومة الصغرى وتمويلها، وتهتم هذه الشركات بتحسين الإدارة العامة. وتشمل الشركات والبرامج التي حصلت على التمويل، صندوق تكنولوجيا الحكومة المُحفِّز للمملكة المتحدة. وتعمل الدول الأخرى- مثل كندا وفرنسا - على تطوير برامج مماثلة وتوظيف دعم مالي محفِّز لسد فارق الاستثمار الأول.

وتماماً كما غيرت صناعة التكنولوجيا المالية القطاع المالي، يمكن لصناعة تكنولوجيا الحكومة الصاعدة أن تخلق نموذجاً جديداً لتوفير للخدمات العامة بشكل فعال. ولأن حكومات أمريكا اللاتينية تسعى إلى تحول رقمي مرغوب فيه، عليها أن تعمل بنشاط على تطوير جيل جديد من الشراكات العامة والخاصة وتعزيزها مع شركات تكنولوجيا الحكومة الصغرى التي تنتج حلولاً ذات صلة ومنخفضة التكلفة، التي تحتاجها لتصبح الحكومات أكثر فعالية وذكاء. وإذا تمكنت من القيام بهذا بشكل صحيح، يمكن للمنطقة أن تتطلع لمستقبل أكثر رفاهية وفعالية وتنافسية.

Ⅶ مدير الابتكار الرقمي في الحكومة لدى بنك التنمية لأمريكا اللاتينية.