ليس من المفترض أن يقول المستثمرون المحترمون «هذه المرة مختلفة». ولكن نظراً لتقلبات السوق في الأشهر الأخيرة، فإنهم يحسنون صنعاً بمراقبة ما هو مختلف حقاً عن آخر مرة تحولت فيها دورة الأعمال.

كانت المرة الأخيرة بالطبع الأزمة المالية العالمية في عام 2008. وخلافاً للحال آنذاك، لا تزال البيانات الاقتصادية الأساسية اليوم قوية، مما يشير إلى أن الركود الذي يلوح في الأفق ربما يأتي ويذهب قبل أن نجد الوقت حتى لقياسه.

لكن هذا لن يساعد المستثمرين الراغبين في تقييم المخاطر والعوائد المحتملة للدورة التالية، والتي من المرجح أن تتشكل من خلال تحولات غير متوقعة في السيولة، والسياسة، والتكنولوجيا.

في حين يعقد الأكاديميون المؤتمرات لتحليل إرث التيسير الكمي من قِبَل البنوك المركزية على مدار السنوات العشر الماضية، يرغب المستثمرون في معرفة ما قد يخلفه انقلاب السياسات على الأوضاع المالية في المستقبل.

فقد توقفت البنوك المركزية الرئيسية في الأساس عن ضخ كميات هائلة من السيولة من خلال مشترياتها من السندات، وبدأت الآن بتفكيك ميزانياتها العمومية، وإن كان ذلك بمعدلات متفاوتة.

بصرف النظر عما إذا كان بنك الاحتياطي الفيدرالي يتجاهل مخاوف السوق ويتحدى الرئيس دونالد ترامب لاستئناف رفع أسعار الفائدة، فإن ميزانيته العمومية لا تزال في الوقت الحالي تتقلص بنحو 50 مليار دولار شهرياً.

كما أوقف البنك المركزي الأوروبي مشترياته من السندات في ديسمبر 2018. وربما يقترب بنك اليابان من بداية نهاية برنامج التيسير الكمي ــ وإن كان من غير المعروف متى تحين «نهاية النهاية». في مجمل الأمر، خَلَّف الخفض التدريجي لبرامج التيسير الكمي كميات هائلة من السيولة التي جرى تصريفها عبر أنابيب ذات أحجام متباينة، وفي أوقات مختلفة.

بقدر ما يشبه النظام المالي العالمي بركة سباحة عملاقة، فإن المياه الهائجة تتقاذف السباحين. وعلاوة على ذلك، من المرجح أن تتعطل حركة التيارات السفلية التي حافظت على قوة الدولار الأمريكي لفترة طويلة إذا تحولت توقعات النمو النسبي نحو اليورو والأسواق الناشئة الرئيسية.

ولن يكون من المفاجئ أن تبتلع دوامة غير متوقعة دون سابق إنذار بنكاً متوسط الحجم أو صندوق تحوط مع استمرار خفض التيسير الكمي.

ما يزيد الأمور تعقيداً هو أن بعض مصادر جديدة لعدم اليقين تثير تساؤلات حول افتراض مفاده أن العولمة والتكامل الاقتصادي سيواصلان بخطى سريعة مسيرتهما إلى الدورة التالية.

صحيح أن رسوم الواردات التي فرضتها دول كثيرة أسفرت حتى الآن عن تكاليف مباشرة صغيرة نسبيا تحملتها قِلة من الصناعات المستهدفة. لكن احتمالات حدوث المزيد من الاضطرابات في سلاسل القيمة العالمية أجبرت الشركات المتعددة الجنسيات على إعادة النظر في أمور مثل أين ومتى ينبغي لها أن تستثمر.

هذا هو ما يقصده قادة الأعمال عندما يصرحون بأنهم قلقون بشأن «المخاطر السياسية» في عالمنا. فحتى إذا تحلحلت قضايا شائكة كثيرة بين الدول، فان احتمالات الاحتكاك المستمر قائمة. وهذا يعني أن المستثمرين الحريصين سيضطرون إلى ضم التكاليف المحتملة المترتبة على الرسوم الإضافية وإعادة تصميم شبكات الموردين إلى تسعيراتهم ــ وربما إلى أجل غير مسمى.

على نحو مماثل، مع اقتراب موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في التاسع والعشرين من مارس، فإن الشركات التي وضعت خططها على أساس أن السلع والخدمات لا يزال من الممكن نقلها بحرية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، تجد نفسها الآن في حالة من عدم اليقين العميق. من المؤكد أن التجارة العالمية لن تتوقف عن العمل.

ولكن في الدورة التالية، سيكون لزاماً على المستثمرين أن يضعوا في الحسبان التكاليف المحتملة للتعريفات الجديدة، والضوابط الحدودية، وغير ذلك من التأثيرات التي يخلفها انبعاث النزعات الشعبوية والقومية على الاقتصادات الرئيسية في العالَم.

أخيراً، في مختلف أنحاء العالَم، تهدد التكنولوجيات الجديدة الثورية ونماذج الأعمال المعطلة للأساليب القديمة هوامش أرباح الشركات القائمة على نحو متزايد. خلال الدورة الأخيرة، كان الربط الرخيص بالإنترنت سبباً في دفع الإبداع التجاري والتكامل.

ولكن بالنظر إلى المستقبل، فإن الشركات ستحتاج إلى التعامل مع شبكات الأجهزة المحمولة، والتخزين الرقمي الرخيص، والخوارزميات المتزايدة التطور من أجل فهم تيارات ضخمة من البيانات.

ولا يقتصر الأمر على مراكز التسوق وأساطيل سيارات الأجرة التي تتساقط بسبب شركات من أمثال أمازون وأوبر؛ إذ تواجه كل الشركات تقريباً تحديات من نماذج أعمال أكثر رشاقة وتعتمد على التكنولوجيا.

ويمثل التصنيع، والرعاية الصحية، وإدارة الاستثمار مجرد أمثلة قليلة للقطاعات التي أصبحت الآن عُرضة للاضطرابات التكنولوجية ــ وهذا قبل حتى أن ينظر المرء في الفوائد الطويلة الأجل المحتملة لتكنولوجيات «الدفاتر الموزعة» أو سلاسل الكتل.

على النقيض من التشغيل الآلي للمهام (الأتمتة) التي كان البشر يقومون بها ذات يوم، والذي من المرجح أن تتوالى فصوله على مدار سنوات عديدة عبر دورات اقتصادية متعددة، فإن قلب نماذج الأعمال التي ظلت قائمة لفترة طويلة رأساً على عقب من الممكن أن يحدث على الفور تقريباً. وما عليك إلا أن تسأل Blockbuster Video.

لن تكون دورات الأعمال دورات لو لم تكن هناك أوجه تشابه جوهرية في كيفية تحصيل الشركات للأرباح، وإدارة المنافسة وارتفاع تكاليف الفوائد، ثم طرد اللاعبين الأضعف على مدار الوقت. وسوف يظل هناك دوماً بعض المستثمرين البارعين القادرين على انتقاء الثمار الأكثر نضوجاً في كل مرحلة من الدورة.

ومع ذلك، تبدو المهمة التي تنتظرنا أشد تعقيداً من المعتاد. فمع اقتراب الدورة الحالية من نهايتها، يجب على المستثمرين أن يضيفوا إلى حساباتهم أشكال عدم اليقين المرتبطة بانخفاض السيولة، وارتفاع النزعة الشعبوية، والتكنولوجيات الجديدة الثورية.

إن هذه المرة مختلفة حقاً، لكن اختلافها ليس إلى الأفضل بالضرورة.

كريستوفر سمارت -  رئيس قسم أبحاث الاقتصاد الكلي والدراسات الجيوسياسية في بنك بارنجز، كبير زملاء غير مقيم لوقف كارنيجي للسلام الدولي.