بات إصلاح التمويل العالمي على نطاق أوسع بقيادة مجلس الاستقرار المالي التابع لمجموعة العشرين، ضرورة أساسية، وينبغي لمثل هذا الإصلاح الشامل أن يعالج العديد من الأولويات الجوهرية. بادئ ذي بدء، يتعين علينا أن نعمل على تعزيز رؤية عالمية طويلة الأجل للتمويل.

ويتجلى انحياز النظام المالي المستمر تجاه النتائج القصيرة الأمد في ممارساته المحاسبية وأساليب إعداد التقارير، وأهداف الربح، وبنية الأجور والمكافآت. وتضيف الصناديق الناشطة إلى هذه الضغوط المفروضة على الشركات. وعلى الرغم من أهمية إيجاد التوازن بين النهج الطويل الأجل لبناء القيمة والحاجة إلى عوائد أقصر أجلاً، فإن النظام المالي يظل منحرفاً إلى حد كبير تجاه الأمد القريب.

ولا شك أن تشجيع روح «فِعل الخير وإتقان العمل» من شأنه أن يحفز قوى السوق المالية على الاستثمار للأجل البعيد، وهو ما من شأنه، ضمن أمور أخرى، أن يعيد الطمأنينة إلى الناس في ما يتصل باستخدام مدخراتهم.

والواقع أن مقولة ميلتون فريدمان ومفادها أن المسؤولية الاجتماعية الوحيدة الواقعة على عاتق الشركات هي تعظيم الأرباح لم تعد صالحة تماماً. فالتركيز على الأرباح لا بد أن تكمله اعتبارات مرتبطة بالواقع الحالي. والمطلوب الآن هو إطار منقح لاستخدام التمويل للنهوض بالصالح العام.

في ديسمبر من عام 2018، سجلت الأسهم الأمريكية أكبر انخفاض شهري منذ أزمة الرهن العقاري الثانوي. وقد عكس هذا الانخفاض الحاد المخاوف الحالية بشأن تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع أسعار الفائدة، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وحرب تجارية محتملة بين الولايات المتحدة والصين، وتفاقم حالة عدم اليقين الجيوسياسي.

لكن حدة التقلبات الأخيرة في أسواق الأسهم تفاقمت بفِعل نظام مالي عالمي لا يزال مفتقراً إلى الإصلاح بشدة بعد مرور أكثر من عشر سنوات منذ اندلعت أزمة 2008.

من المؤكد أن منع انهيار النظام المالي بأسره في أعقاب الأزمة كان نجاحاً في حد ذاته. ولكن على الرغم من إحراز بعض التقدم منذ ذلك الحين، فإن الإصلاحات كانت مجزأة وليست أساسية.

فلا يزال النظام المالي يفتقر إلى الضوابط التنظيمية الكلية الفعّالة اللازمة لتشجيع التخصيص العالمي الأمثل لرأس المال. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإننا نخاطر بتجاهل مقولة ونستون تشرشل: «لا ينبغي للمرء أن يهدر فرصة الأزمة الجيدة أبداً».

إذا تُركَت هذه الحال دون إصلاح، فإن هذا التركيز على الأمد القريب من شأنه أن يعيق التقدم الحقيقي والقدرة على تخصيص الموارد المالية على النحو الأمثل. يشكل تخصيص رأس المال بشكل أفضل ضرورة حيوية للتنمية الصناعية، وبناء أسواق جديدة، وتوفير إطار ثابت يسمح بتطور الشركات.

والتوصل إلى مثل هذه النتائج كفيل بوضعنا في موقف أفضل يسمح لنا بالتصدي للتحديات الكبرى في القرن الحادي والعشرين، وخاصة الانحباس الحراري العالمي وأشكال التفاوت العديدة.

كما يتعين على صانعي السياسات أن يدركوا أن مخاطر الأسواق المالية أصبحت أعلى برغم أن النظام المصرفي ربما أصبح أكثر أماناً مما كان في عام 2008.

وكما ذكر أخيراً صندوق النقد الدولي فإن استخدام الروافع المالية (الإنفاق بالاستدانة) تزايد في مختلف أنحاء العالَم إلى مستوى يتجاوز ما كان عليه في فترة ما قبل الأزمة، في حين تعمل السيولة الفائضة التي خلقها نهج التيسير الكمي الذي تبنته البنوك المركزية على زيادة احتمال المزيد من عدم الاستقرار عندما ينتهي العمل ببرامج التيسير الكمي خارج الولايات المتحدة.

ويظل العجز عن وضع التمويل تحت السيطرة يشكل مصدراً لعدم الاستقرار البنيوي وربما يساهم في إحداث أزمة أكبر في المستقبل. وكما قال أخيراً عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي: «إن ماكينة الأزمة لا تزال تعمل».

وأخيراً، ينبغي لأي إصلاح شامل للتمويل العالمي أن يسعى إلى إعادة بناء ثقة الناس في النظام ــ وهو أحد الأهداف التي حددها عن حق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمجموعة الدول السبع هذا العام.

وتشكل استعادة الثقة في التمويل ضرورة أساسية في وقت أصبحت الديمقراطيات الليبرالية عُرضة على نحو متزايد للتحدي المتمثل في صعود نزعة الشعبوية ومعاداة النخب في كل القطاعات. إن إنشاء نظام مالي أكثر شمولاً وقدرة على تحمل المسؤولية يشكل خطوة أولى في عملية طويلة للتوفيق بين عامة الناس والمؤسسات المالية والأشخاص الذين يتولون إدارتها.

قبل عشر سنوات، أعطت أزمة الرهن العقاري الثانوي العالَم الفرصة للقيام بذلك على وجه التحديد. ولبعض الوقت، كان كل شيء تقريباً مفتوحاً للمناقشة. وعلى الرغم من تحقق بعض التقدم والالتزامات العالمية الحاسمة منذ ذلك الحين، فإن قدراً كبيراً من العمل لا يزال مطلوباً. وفي ظل عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية وصعود الشعبوية، نحتاج إلى إجراء المزيد من التغييرات الحاسمة الآن.

إذا تحلينا بالجرأة اللازمة وأتممنا المهمة، فسوف نحظى بالفرصة للحفاظ على مسارنا في ما يتصل بتحديات مثل تغير المناخ والتنمية المستدامة، والبدء في معالجة أشكال التفاوت الاجتماعي والاقتصادي. وربما نتمكن من إعادة بث الثقة في نظام مالي متجدد ومناسب لمواجهة التحديات الناشئة الكبرى في القرن الحادي والعشرين.

* المدير الإداري للبنك الدولي سابقاً، وهو الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة «بلو لايك آن أورانج لرأس المال المستدام»، والرئيس المشارك لمجلس المستقبل العالمي للحوكمة الدولية التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي. وهو مؤلف كتاب «هل ينقذ التمويل العالم؟».

* أستاذ علوم الاقتصاد في معهد باريس للدراسات السياسية.