في مقالته المشهورة في عام 1954 بعنوان «التنمية الاقتصادية مع إمدادات غير محدودة من العمالة»، توصل الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، آرثر لويس، إلى أن «المشكلة الأساسية في نظرية التنمية الاقتصادية تتمثل في فهم العملية، حيث كانت المدخرات والاستثمارات في الاقتصاد تمثل 4٪ أو 5٪ أو حتى أقل من الدخل القومي الإجمالي.
ولكن في وقت لاحق، كان معدل الادخار الاختياري للاقتصاد يمثل 12 ٪، 15 ٪، أو حتى أكثر من الدخل القومي. ويعتقد لويس أن عملية التغيير هذه هي القضية الأساسية لنظرية التنمية الاقتصادية، لأن جوهر التنمية الاقتصادية يتمثل في تراكم رأس المال السريع (بما في ذلك المعرفة ومهارات رأس المال).
ترتبط رؤية لويس ارتباطاً وثيقاً بالنمو السريع الذي تقوده الاستثمارات الصينية في العقود الأخيرة. لكن نمو الصين يعتمد على معدلات أعلى بكثير من المدخرات الوطنية مما كان يمكن أن يتخيله آرثر. واليوم، نموذج التطوير هذا بحاجة للتدعيم والحذر والدراسة بشكل متزايد.
وخلافاً للعملية التي وصفها لويس، لا بد للصين الآن من إيجاد طرق فعالة لخفض معدل المدخرات، وتحويل نموذج التنمية الاقتصادية، والاعتماد بشكل أكبر على حجم الاستهلاك المحلي الكبير لتطوير الاقتصاد.
وسيكون هذا تحولاً رئيسياً. فعلى مدى ثلاثة أو أربعة عقود، اعتمدت الصين على التصنيع الموجه للتصدير للحفاظ على التنمية الاقتصادية السريعة، مثل اليابان وغيرها من اقتصادات شرق آسيا سريعة النمو، استخدمت الصين بنجاح المدخرات المحلية الكبيرة للاستثمار في التصنيع الموجه للتصدير. ومع استمرار فائض العمالة الصينية في الانتقال من الزراعة إلى قطاع التصدير، استمر معدل المدخرات في الارتفاع.
مثل اليابان وغيرها من الاقتصادات الصغيرة سريعة النمو في شرق آسيا، ومع ارتفاع معدل الصادرات الصناعية، كانت الخدمات المحلية والقطاعات غير القابلة للتداول (بما في ذلك قطاع الاتصالات والتمويل) محميّة للغاية في الصين. غالباً ما تكون هذه الحماية زائدة. وقد ساهمت هذه الإستراتيجية الهيكلية غير المتوازنة في انخفاض حصص دخل العمالة والاستهلاك المحلي في الناتج المحلي الإجمالي بشكل نسبي.
وقد أدى ذلك إلى زيادة الفائض التجاري الصيني، خاصة مع الولايات المتحدة، مما زاد من مخاطر الاحتكاك التجاري وحتى الحروب التجارية.
قبل خمسة عشر عاماً، بدأت الولايات المتحدة والدول الغربية الكبرى الأخرى تطالب الصين بتخفيض فائضها التجاري. في ظل هذا الضغط، اضطرت الصين إلى توسيع إنفاقها بشكل كبير على الاستثمار في البنية التحتية المحلية والإسكان والسماح بارتفاع قيمة «الرنمينبي»، الأمر الذي جعل الصادرات أكثر تكلفة. ونتيجة لذلك، انخفض الفائض التجاري للصين من حوالي 8.6 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي قبل عقد من الزمن إلى التوازن الحالي.
لكن الصين دفعت ثمناً لتعديل إعادة التوازن هذه. على الرغم من أن زيادة الاستثمار في البنية التحتية يمكن أن يساعد في الحد من المدخرات المفرطة، إلا أن الاستثمار المفرط في البنية التحتية يمكن أن يؤدي إلى تقلب الاقتصاد الكلي والنمو «الخطير». وهذا ما حدث بالفعل. فقبل الأزمة المالية العالمية عام 2008، كان اقتصاد الصين يتوجه بالفعل نحو مسار نمو غير آمن. ومنذ ذلك الحين، تحرك الاقتصاد الصيني إلى الاتجاه الخاطئ: فقد أدى التوسع الائتماني السريع إلى دفع الاستثمار في بناء البنية التحتية والذي أدى بدوره إلى ارتفاع قياسي في سوق العقارات.
بعد أكثر من عقد من الزيادة المستمرة في الاستثمار المحلي، تواجه الصين الآن مرحلة مهمة توجب عليها دراسة الكثير من الأمور والتركيز على الإنتاجية وإيجاد أجدى السبل الكفيلة بنمو الناتج المحلي الإجمالي.
يتمثل الحل الفعال في الاعتماد على نموذج التنمية للحد من المدخرات الصينية المفرطة. وقد أدى فشل اليابان في اتخاذ تدابير مماثلة إلى انهيار فقاعة أسعار الأصول في أوائل التسعينيات. ومع ذلك، حتى الآن، لذا على الصين أن تدرك الحاجة الملحة لخفض المدخرات المفرطة، على الرغم من أن خفض المدخرات أمر بالغ الأهمية لنمو الصين على المدى الطويل.
تحتاج الصين إلى تحويل نموذجها التنموي من الصادرات إلى السوق المحلية الضخمة البالغة 1.4 مليار نسمة، الأمر الذي يتطلب من الصين أن تفتح خدماتها وقطاعاتها غير التجارية للمستثمرين الأفراد الأجانب والمحليين لتوسيع العرض. وبسبب قمع هذه القطاعات وحمايتها لعقود، لا تزال إنتاجيتها منخفضة نسبياً. لكن الصين تتمتع بإمكانيات سوق ضخمة في مجالات الاتصالات والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والتعليم والترفيه والتمويل والتأمين. وقد أظهرت القوة الشرائية الضخمة التي تم إطلاقها بالفعل في قطاع الإنترنت المتنقل في البلاد حكمة تحرير هذه القطاعات الأخرى.
إن القيام بذلك من شأنه أن يعزز الإنتاجية بدرجة كبيرة، لأن السوق الصينية المحلية كبيرة بما يكفي لاستيعاب العديد من المنافسين في القطاع. وهذا بدوره سيخلق فرص عمل مستدامة للتعويض عن خسائر الوظائف الناجمة عن التحول الهيكلي بعيداً عن التصنيع الموجه للتصدير. والأهم من ذلك، أن فتح القطاعات غير القابلة للتداول في السوق المحلية سيساعد على زيادة الطلب على الاستهلاك ويحول دون توفير المدخرات، مما يساعد على تحسين عوائد الاستثمار.
لا شك في أنه يجب أن يعتمد نمو الصين بشكل أكبر على الطلب من سوقها المحلية، ويعتمد أقل على قدراتها الصناعية وصادراتها. هذه هي الطريقة الذكية لإدارة مدخرات البلد، وهي المفتاح للفوز بأي حرب تجارية مع الولايات المتحدة.
Ⅶ عميد كلية الاقتصاد في جامعة فودان ومدير المركز الصيني للدراسات الاقتصادية، ومدير مؤسسة الصين للدراسات الاقتصادية، ومقرها الرئيسي في شنغهاي.

