لا شك أن أمريكا باتت مطالبة بالوعي بشدة وعمق، في إطار جهودها لترسيخ السلام في شبه الجزيرة الكورية، لممارسات وتلاعب كوريا الشمالية التي يبدو أنها تخفي وتبطن الكثير من الأخطار، بينما هي تظهر وجه التعاون والتفاعل الإيجابي دولياً. وعندما يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، مرة أخرى هذا الشهر، فإنه بهذا يبدأ الفصل الثاني من المساعي والجهود الأمريكية لترسيخ السلام والأمن في مجموع جهود السياسة الخارجية الأمريكية الرسمية ضمن شبه الجزيرة الكورية. ومن المؤكد أن النتائج والسيناريوهات التي ستدور حولها النقاشات شبه معروفة ومفروغ منها.
وفعلياً يبدو أنه بات من المتوقع مثلاً أن يتعهد كيم بالتخلي عن أسلحته النووية ذات يوم، في حين يخفي أي تفاصيل عن البرنامج الذي ينتج هذه الأسلحة.. وهو ما يمكن أن ينطلي على أمريكا ويجعلها تقع في فخاخ الخطر الكوري الشمالي.
هناك سبب وجيه للشعور بالقلق والتأكيد على ضرورة أن تعي أمريكا مدى الأخطار المحاقة في هذا الخصوص، وبخاصة في ظل نتائج القمة التي جمعت بين الزعيمين في سنغافورة في يونيو الماضي، فلم يُفض قبول ترامب لوعود كيم الفارغة على مدار الأشهر الثمانية الأخيرة إلا إلى تآكل نفوذ الولايات المتحدة في كوريا الجنوبية وخارجها. وواصلت كوريا الشمالية ملاحقة برنامج الصواريخ الباليستية، ومن خلال مبادراته تجاه كوريا الجنوبية والصين، نجح كيم في إضعاف العقوبات المفروضة على نظامه.
يذهب الكثيرون إلى أن أمريكا ربما لم تتمكن من إحكام وقف طموحات كيم النووية.. كما أنها تسببت أيضاً في تقويض الدور الذي تضطلع به هي بوصفها قوة رادعة في آسيا. وفي ظل التهديد الذي تفرضه بالفعل ترسانة كوريا الشمالية التقليدية على اليابان ودول أخرى تستضيف قوات أمريكية، فإن تنويهات ترامب العلنية حول خفض القوات في كوريا الجنوبية وأماكن أخرى، تسببت في تغيير الحسابات الاستراتيجية الإقليمية بشكل جوهري.
وإذا سُئِل القادة في طوكيو، وسول، وتايبيه، وجنوب شرق آسيا، فربما يخفون مشاعرهم ويتجنبون التصريح بما هو واضح، لكن الحقيقة هي أن أمريكا الآن باتت مطالبة بقوة لإثبات الالتزامات الدفاعية تجاه هذه الدول، حيث تسعى كوريا الشمالية على نحو متزايد إلى تحقيق طموحاتها الإقليمية الخاصة.
كما تقضّ هذه المشكلة مضاجع صناع السياسة الأمريكية، فهناك دائماً فريق من كبار المسؤولين لإعادة الطمأنينة إلى الحلفاء. ومع ذلك، مهما بلغوا من قدرة على الإقناع، فإنهم لا يستطيعون إصلاح الأضرار التي أنزلت حالياً باتفاقات وتضامن وتحالفات أمريكا في تلك المنطقة.
إن القول بأن كوريا الشمالية «لم تعد تشكل تهديداً نووياً»، ينطوي على مخاطر كثيرة وسيؤدي إلى إرباك وتخويف دول كثيرة، ولا بد أن يكون لهذا التصريح وقع المفاجأة على اليابان، حليفة أمريكا الأكثر أهمية في المنطقة. فحتى إذا وافق نظام كيم على التخلي عن جهوده الرامية إلى تطوير صواريخ نووية عابرة للقارات، فإنه سيظل يملك رغم ذلك الآلاف من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، ذات القدرة النووية الموجهة إلى اليابان.
ولا يجب على أمريكا التهديد الذي تفرضه الأسلحة التقليدية التي تمتلكها كوريا الشمالية. ويُعَد القرار الأحادي المتخذ بتعليق التدريبات العسكرية الأمريكية في كوريا الجنوبية مثالاً واضحاً هنا، إذ تشكل التدريبات العسكرية التي تضم القوات الأمريكية وقوات كوريا الجنوبية أهمية بالغة لصقل خطط الحرب، وحل القضايا التشغيلية والثقافية، وشحذ المهارات العسكرية. وعلى هذا فإنها تلعب دوراً مركزياً، ليس فقط في الاستعداد لحالات الطوارئ المتعددة الأشكال على شبه الجزيرة الكورية، ولكن أيضاً في دفاع اليابان عن ذاتها. ولا تقل أهمية مسألة ضمان التعاون السلس بين الوحدات الحليفة في المنطقة لليابان عن أهميته للولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية، بل ربما حتى تزداد أهميتها الآن مع توتر العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية.
أياً كانت نتائج القمة القادمة بين ترامب وكيم، فإن تجاهل تحالفات الولايات المتحدة سيخلف عواقب ملموسة. إن تكوين شراكات دفاعية فعّالة يستغرق الوقت ويتطلب مشاركة نشطة، وإذا نشبت الأحقاد والضغائن بين الحلفاء، فإن التعاون بشأن أهداف ذات أولوية عالية من الممكن أن يتراجع إلى أجل غير مسمى.
على سبيل المثال، قبل ثلاث سنوات، توسّط مسؤولون أمريكيون في اتفاق مهم لتسهيل تبادل البيانات الاستخباراتية بين اليابان وكوريا الجنوبية، ولكن اليوم، توترت العلاقات اليابانية الكورية الجنوبية مرة أخرى بشأن مسألة تعويضات زمن الحرب.
حتى الآن، تسببت هذه المرارة المتجددة في مضاعفة التداعيات الناجمة عن حادث وقع الشهر الفائت، حيث استهدفت سفينة حربية كورية جنوبية طائرة دورية يابانية. وفي غياب الوساطة الأمريكية، من المرجح أن يستمر تدهور آفاق التعاون العسكري الجاري بين الحليفين، وهذا من شأنه أن يدفع حكومة الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي إن، إلى الاقتراب من كوريا الشمالية والصين.
الواقع أن دانييل شنايدر من جامعة ستانفورد يشير إلى أن بعض المراقبين في اليابان بدأوا يتعاملون بجدية مع احتمال انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة. ومع إصرار كوريا الجنوبية على إدارة الأمور على طريقتها، يضطر قادة اليابان إلى إعادة النظر في الافتراضات القديمة حول السياسة الدفاعية والأمنية اليابانية.
الواقع أن ازدراء الالتزامات الأمنية الأمريكية والعلاقات التي تدعمها لم يفت على قادة آسيا، وقِلة منهم يشعرون بارتياح إزاء تصريحاته حول توسيع دور أمريكا في العالَم، نظراً لتهديداته الأكثر تكراراً بالتخلص من التحالفات «غير العادلة».
وتصادف أن وقع أخيراً قانون مبادرة إعادة الطمأنينة إلى آسيا، الذي تعهدت أمريكا بموجبه بإنفاق 7.5 مليارات دولار على مدى خمس سنوات لتعزيز المشاركة الأمريكية في آسيا.. وهذا يتناسب فعلياً مع طبيعة دور أمريكا العالمي ومهماتها وواجباتها.. وضرورة الحرص على ضبطه وتقويته وتجذير تأثيرها العالمي لنشر الاستقرار والسلم.
*كبير محللين سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وقد خدم بوصفه مسؤول استخبارات وطنية لشرق آسيا، ورئيس محطة في آسيا، ومدير الشؤون العامة في وكالة الاستخبارات المركزية.
* مراسل صحافي تولى تغطية السياسة الخارجية والأمن الوطني لصالح مجلة نيوزويك، وصحيفة وال ستريت جورنال، ومطبوعات أخرى، وهو أستاذ مساعد في كلية الخدمات الخارجية في جامعة جورج تاون.


