لا شك أنه بات يتعين على رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، بعد فشلها في الحصول على موافقة البرلمان على اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت)، أن تتفاوض الآن، إما مع حزب العمال المعارض وإما مع أنصار الخروج في حزب المحافظين والوحدويين الديمقراطيين في أيرلندا الشمالية الذين يدعمون حكومتها.

من ناحية أخرى، أعرب الدبلوماسيون والساسة في بروكسل عن أسفهم العميق إزاء آخر نكسات تيريزا ماي، ذلك أن الاتفاق الذي صوت البرلمان على رفضه لم يكن «اتفاق ماي» بل «اتفاق الاتحاد الأوروبي» أيضاً ــ وهي النقطة التي فاتت العديد من النواب البريطانيين.

ونظراً للخطوط الحمر التي رسمتها تيريزا ماي حول الحد من الهجرة وإخراج المملكة المتحدة من اختصاص محكمة العدل الأوروبية، فإن الصفقة التي توصلت إليها كانت متوازنة إلى حد كبير، فمن خلال تسوية الالتزامات المالية وتقديم اليقين لمواطني الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة الواقعين في مرمى النيران، توفر الصفقة الأساس لطلاق منظم.

علاوة على ذلك، يرسي الإعلان السياسي المصاحب لاتفاق الطلاق الأساس لعلاقة وثيقة ومستديمة في المستقبل بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، فقد التزم كل من الجانبين بالتفاوض بسرعة على تسوية ما بعد الخروج، وهذا يعني أن مسألة «الحاجز الأيرلندي» المثيرة للجدل- الضمانة الضرورية للحفاظ على اتفاق الجمعة الحزينة والسلام في أيرلندا الشمالية- لن تُطرَح أبداً.

من المؤكد أن «أنصار البقاء في الاتحاد الأوروبي» من المحافظين وأعضاء البرلمان من حزب العمال اشتكوا من أن الإعلان السياسي لم يكن متفقاً مع الأعراف المعتادة بالقدر الكافي، في حين يزعم أنصار الخروج أنه متقادم وتقليدي أكثر مما ينبغي، لكن الاتحاد الأوروبي أوضح منذ البداية أن معاهدة الطلاق لا بد أن تبرم قبل التفاوض على تفاصيل العلاقة في المستقبل، ولن يغير أي قدر من الشكوى والتشاحن هذه الحقيقة الآن.

فضلاً عن ذلك، لا يزال في الإمكان تنقيح الإطار الذي جرى تحديده في الإعلان السياسي في الأسابيع المقبلة.

على سبيل المثال، اقترح أندرو دوف، وهو ديمقراطي ليبرالي من أنصار البقاء، أن تكوين تصور محدد وواضح من جانب المملكة المتحدة لحرية حركة الناس أو العضوية في الاتحاد الجمركي، ربما يكسر الجمود البرلماني، ولكن في حين أن الساسة البريطانيين سيجدون دون شك أبواباً جديدة يفتحونها، فإن تمكنهم من التوصل إلى اتفاق متعدد الحزبية حول أي الأبواب يجب المرور عبره يظل أمراً غير مؤكد.

الواقع أن الحلول المتعددة الحزبية لا تتأتى بسهولة في ظل نظام المغارمة السياسي الثنائي القطبية في المملكة المتحدة، ومع ذلك فحيثما توفرت الإرادة تتيسر السبل لوضع المصلحة الوطنية قبل الاهتمامات الحزبية الضيقة.

إن النهج المتعدد الحزبية مألوف لدى الساسة الأوروبيين القاريين بطبيعة الحال، والواقع أن التشريعات في الاتحاد الأوروبي يجري إقرارها بانتظام في نهاية المطاف من خلال مفاوضات آخر الليل بين أعضاء البرلمان الأوروبي والوزراء، الذين يحبسون أنفسهم في غرفة لتقليب الرأي في التسويات الضرورية.

ربما يحظى التحول الثقافي نحو عملية «القرار المشترك» على غرار الاتحاد الأوروبي، بدعم عامة الناس في بريطانيا، فضلاً عن مفاوضي الخروج الأوروبيين، الذين كانوا ينتظرون بلهفة موقفاً أكثر تمثيلاً من لندن طوال عامين حتى الآن. وإذا كان للقادة السياسيين البريطانيين أن يتمسكوا بأي أمل في توحيد بلدهم المنقسم بشدة، فيتعين عليهم أن تكون قيادتهم هي القدوة.

باستشراف المستقبل، يمكننا أن نزعم أن الاتحاد الأوروبي سيظل مرنا بعض الشيء، تماما كما كان منذ البداية، لكنه لن يتسامح مع محاولات الساسة البريطانيين ــ سواء من حزب العمال أو حزب المحافظين ــ تسوية المنازعات السياسية الداخلية عن طريق الإلقاء بها على عاتق صانعي السياسات الأوروبية.

في هذا السياق، ينبغي تقييم الطلبات البريطانية لتمديد مفاوضات الخروج البريطاني في إطار من حسن النوايا، والموافقة عليها، إذا تطلب الأمر وقتا إضافيا لتسوية أمور فنية. لكن أي تمديد من غير الممكن أن يتجاوز الثاني من يوليو 2019، موعد تنصيب البرلمان الأوروبي الجديد، بعد الانتخابات في مايو، والتي ستكون أشبه بالمعركة من أجل روح أوروبا. في ظل الحملة التي يشنها الشعبويون في المجر، وبولندا، وأماكن أخرى ضد قيم الاتحاد الأوروبي الأساسية، فإن شواغل الساسة الأوروبيين أكبر كثيراً من الخلافات السياسية الداخلية في بريطانيا.

أما عن أنصار البقاء الذين يسعون إلى إلغاء استفتاء 2016 الذي انتهى إلى الموافقة على الخروج من الاتحاد الأوروبي، فينبغي لهم أن يتذكروا أن المملكة المتحدة ليست مضطرة إلى البقاء خارج الاتحاد الأوروبي إلى الأبد، فالصفقة الحالية المطروحة على الطاولة لن تمنع بريطانيا من التقدم لطلب العضوية مرة أخرى، حتى خلال الفترة الانتقالية.

وفي اعتقادي أنه يكاد يكون من المحتم أن يظهر بعض الساسة البريطانيين الشباب المقنعين ذات يوم لإعادة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي حيث تنتمي، لكن الساعة تدق، وغني عن القول إن أولئك الأشد تعرضاً للتأثيرات السلبية المترتبة على الخروج البريطاني ــ بما في ذلك الشركات البريطانية، والشباب، والبريطانيون الذين يعيشون في الاتحاد الأوروبي، ومواطنو الاتحاد الأوروبي الذين يعيشون في المملكة المتحدة ــ يستحقون انسحاباً منظماً.

ونظراً لبدء العد التنازلي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على نحو فوضوي كارثي «بدون اتفاق»- حيث تخرج المملكة المتحدة فجأة من السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي والاتحاد الجمركي- والذي من شأنه أن يسمم العلاقات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي لعقود من الزمن، فلا ينبغي لأي سياسي مسؤول أن يفكر حتى مجرد تفكير في هذا الاحتمال.

الآن حان وقت خروج الساسة البريطانيين من خنادقهم والبدء في إدارة محادثة جادة. والبريطانيون وحدهم هم القادرون على إبعاد سياستهم عن نظام حافة الهاوية والخصومات ذات المحصلة صِفر وتوجيهها نحو بناء الإجماع المثمر، والحق أن تغيير الثقافة السياسية في المملكة المتحدة على هذا النحو أمر واجب طال انتظاره.

* رئيس وزراء بلجيكا الأسبق، وهو رئيس مجموعة تحالف الليبراليين والديمقراطيين من أجل أوروبا في البرلمان الأوروبي.