جاءت الهزيمة الساحقة التي أنزلها البرلمان البريطاني بخطة رئيسة الوزراء تيريزا ماي للخروج من الاتحاد الأوروبي، لتؤكد مرة أخرى أنه لا بديل عن الديمقراطية. ويستحق أعضاء البرلمان التهنئة لاحتفاظهم بهدوئهم وثباتهم في مواجهة موعد نهائي مختلق. هذا الموعد النهائي هو السبب الذي جعل الخروج البريطاني يثبت كونه شديد الصعوبة بل ربما يكون شديد الضرر. ولحل معضلة الخروج البريطاني، لا بد من أن يُزال هذا الموعد النهائي المصطنع بالكامل، لا أن يُعاد تعيينه فحسب.

الواقع أن ترك الاتحاد الأوروبي حدث مؤلم بطبيعته. ذلك أن العملية التي يتعين على أي دولة أن تتبعها للخروج من الاتحاد الأوروبي تحكمها المادة الخمسون من معاهدة لشبونة، التي من عجيب المفارقات أن من وضعها دبلوماسي بريطاني حريص على ردع الخروج من الاتحاد الأوروبي. ولهذا السبب تحدد المادة الخمسون فترة مفاوضات تمتد لسنتين وتنتهي بموعد نهائي مشؤوم: فإذا لم تسفر المفاوضات عن اتفاق طلاق خلال الفترة المحددة ــ التي تنتهي في التاسع والعشرين من مارس/ آذار في حالة بريطانيا ــ تجد الدولة العضو نفسها فجأة خارج الاتحاد الأوروبي، فتواجه صعوبات غير عادية بين عشية وضحاها.

الواقع أن هذه القاعدة تقوض أي مفاوضات حقيقية. إذ يركز المفاوضون على تاريخ الانتهاء ويخلصون إلى أن الطرف الآخر ليس لديه أي حافز للكشف عن أوراقه قبل ذلك الموعد. وسواء كانت فترة التفاوض المخصصة شهرين أو عامين أو عقدين من الزمن، فإن النتيجة هي ذاتها دوماً فالجانب الأقوى (المفوضية الأوروبية في بروكسل في حالتنا هذه) لديه الحافز لاستهلاك الوقت وعدم تقديم أي تنازلات حقيقية قبل اللحظة الأخيرة.

علاوة على ذلك، يؤثر هذا الإدراك على سلوك اللاعبين الرئيسين الآخرين: وزراء حكومة المحافظين المعارضين لرئيسة الوزراء، وزعيم حزب العمال المعارض جيريمي كوربين، وكبار أعضاء حزب العمال الذين يعارضون كوربين، والحكومتين الألمانية والفرنسية. وكل من اللاعبين السياسيين الكبار في هذه اللعبة لديه الحافز للجلوس في استرخاء ومراقبة عقارب الساعة وهي تدور إلى أن تأتي النهاية المريرة.

مع تبقي أقل من ثلاثة أشهر، بات سقوط بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون التوصل إلى اتفاق يشكل احتمالاً مروعاً، وهو أمر مفهوم. وتتلخص الاستجابة الطبيعية في طلب تمديد المادة الخمسين، أو إعادة ضبط الساعة ومنح المفاوضات المزيد من الوقت. ولكن لا بد من مقاومة هذه النزعة الغريزية.

إن إعادة ضبط الساعة من شأنها ببساطة أن تطيل أمد الشلل، لا أن تعجل بالتقارب لتمكين التوصل إلى اتفاق جيد. وإعطاء تيريزا ماي ثلاثة أشهر أخرى، أو حتى ثلاث سنوات، لن يفعل شيئاً لخلق الحوافز الكافية لدفع الأطراف إلى الكشف عن التفضيلات المستترة، ولن يُسقِط الخطوط الحمراء الزائفة.

الواقع أن أسوأ جانب من اتفاق تيريزا ماي، والذي رفضه البرلمان بكل قوة وحكمة، هو أنه كان يقضي بتمديد العملية الانتقالية إلى عام 2022، مع تعهد المملكة المتحدة بدفع نحو 50 مليار دولار وربما أكثر للاتحاد الأوروبي في مقابل ما لا يزيد عن مجرد وعود غير ملزمة بإبرام اتفاق مفيد للطرفين في المستقبل. ولو صوت البرلمان لصالح اتفاق تيريزا ماي فإن هذا كان ليؤدي إلى إطالة أمد المأزق الحالي لكي يصل بالجميع إلى حافة جرف جديدة بعد ثلاث سنوات من الآن.

السبب الوحيد المعقول لإعادة ضبط ساعة المادة الخمسين هو التطلع إلى عقد استفتاء ثان حول ما إذا كان من الواجب إلغاء الخروج البريطاني بالكامل. ولكن على النقيض من الاستفتاء الأول، الذي يمكن تأطيره أنه سؤال بسيط حول قبول أو رفض الخروج، نجد الآن خيارات متعددة يجب وضعها في الحسبان: اتفاق ماي، أو خروج أكثر نعومة يقضي ببقاء بريطانيا داخل السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، أو الخروج دون التوصل إلى اتفاق، أو البقاء في الاتحاد الأوروبي، وما إلى ذلك. والاتفاق على شكل محدد للتصويت التفضيلي بين هذه الخيارات ليس أسهل من الاتفاق على الخروج من الاتحاد الأوروبي في المقام الأول.

ولتجميع وجهات النظر المتنافسة في موقف واحد متماسك، تحتاج بريطانيا إلى أكثر من مجرد خطة للتصويت فهي تحتاج إلى حوار شعبي تجعله الساعة التي لا تتوقف عقاربها عن الحركة في حكم المستحيل، حتى إذا أعيد ضبطها. وعلى هذا فإن حالة الجمود والمفاوضات الزائفة لن تنتهي إلا إذا سُمِح للموعد النهائي المصطنع بالانتهاء بواسطة برلمان على استعداد للإعلان بهدوء عن رفضه لاتفاق غير مقبول جرى التفاوض عليه بين تيريزا ماي والاتحاد الأوروبي. لقد أصبح السماح للساعة بتجاوز الموعد المحدد الآن شرطاً مسبقاً لحل معضلة الخروج البريطاني.

ماذا قد يحدث إذا استمر المأزق إلى التاسع والعشرين من مارس/ آذار دون تمديد رسمي لفترة المادة الخمسين؟ يتلخص التهديد الصادر عن بروكسل في أن الاتحاد الأوروبي سيهز كتفيه هازئاً ويسمح بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بطريقة فوضوية، مع ما سيترتب على ذلك من ارتباك كبير في التجارة والنقل وما إلى ذلك. لكن الأمر الأكثر ترجيحاً هو أن الشركات الألمانية، إلى جانب الحكومتين الفرنسية والهولندية، ستستشيط غضباً ضد مثل هذا التحول، وتطالب المفوضية الأوروبية باستخدام سلطاتها إلى أجل غير مسمى لتعليق أي تعطل في موانئ أوروبا ومطاراتها في حين تبدأ مفاوضات حقيقية للمرة الأولى منذ عام 2016.

بمجرد حلول موعد التاسع والعشرين من مارس أو اقترابه، سوف يعمل حس الضرورة العاجلة المتصاعد على حل المماطلة التكتيكية، ويصبح اتفاق ماي في طي النسيان، ويقترب أنصار البقاء في الاتحاد الأوروبي من قبول حقيقة مفادها أن الوقت ليس في صالح استفتاء ثان يبطل الخروج البريطاني، وربما يحول اهتمامهم إلى الهدف المشروع المتمثل في عقد استفتاء آخر في المستقبل للعودة إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

عند هذه النقطة، سوف تدرك الحكومة والمعارضة أنه لم يتبق سوى خيارين متماسكين للمستقبل القريب. الأول هو «النرويج +»، الذي يقضي ببقاء بريطانيا لفترة غير محددة في السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي (مثل النرويج)، وأيضاً في الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي. والثاني يتمثل في الخروج الكامل الفوري، على أن تتاجر بريطانيا بموجب قواعد منظمة التجارة العالمية في حين تظل أيرلندا الشمالية ضمن الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي لتجنب إقامة حدود مادية مع جمهورية أيرلندا. والواقع أن اختصار الأمر في خيارين فقط من شأنه أن يمكن البرلمان من الاختيار.

بمجرد اعتراف أعضاء البرلمان بأن مسألة حرية التنقل بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي لا يراد بها سوى تشتيت الانتباه، فسوف تكون «النرويج +» النتيجة الأكثر ترجيحاً لفترة غير محددة بلا موعد نهائي. وعندها فقط تسنح الفرصة للبرلمان والشعب لمناقشة القضايا واسعة النطاق التي تواجه بريطانيا، وخاصة مستقبل العلاقات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.

لا شك في أن خطة «النرويج +» ستترك الجميع غير راضين. لكنها، على النقيض من اتفاق تيريزا ماي أو استفتاء ثان متسرع، كفيلة على الأقل بتخفيف حالة السخط التي كانت لتخيم على أي شريحة كبيرة من المجتمع البريطاني في الأمد المتوسط. ولأن الحد من السخط، إلى جانب توافر أفق بلا موعد نهائي، من الشروط المسبقة للحوار الشعبي الذي تستحقه بريطانيا، فإن الهزيمة الساحقة التي مُني بها اتفاق تيريزا ماي قد يذكرها التاريخ بوصفها إثبات للديمقراطية.

* وزير مالية اليونان الأسبق، وأستاذ علوم الاقتصاد في جامعة أثينا.