تشبه قصة صعود وسقوط كارلوس غصن التي أثارت الذهول، مسرحية كابوكي، إذ انتهت بأن حازت اليابان على فوائد جمة.
وكارلوس غصن هو «مخفض التكلفة» الذي أنقذ «نيسان» بعد عام 1999 وبنى شراكة قوية بينها وبين شركة رينو الفرنسية، التي تحمل أكبر نسبة من أسهمها وشركة ميتسوبيشي اليابانية.
لكن سقوط غصن يشبه تراجيديا كلاسيكية يونانية، مع إضافة عناصر ألمانية معاصرة. إنها قصة تشبه التقاء التكبر مع نمسيس (من الآلهة في الفلسفة اليونانية). وأفضل ما يمكن مقارنته ما حدث غصن، هو ما يحدث للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

المديرون والزعماء السياسيون الخارقون قد يتسببون في إرباكات ويغدون محل هجوم وموضوع ترقب ومحاسبة، في حال بقوا لمدة طويلة في مراكزهم. وهذا لحق بسياسيين كثيرين..وبمديرين مهمين بارزين في عالمنا. ومثالنا الأهم هنا، خاصة في الفترة الحالية، غصن ومصيره، حيث اعتقل في طوكيو أثناء نزوله هناك على متن طائرة خاصة، ويواجه الآن اتهامات باختلاس أموال الشركة.
وأخذ تعويضات بنفسه تصل قيمتها إلى ملايين الدولارات. وأيا كانت الحقيقة التي ستظهر في النهاية، فإن نهاية مشوار عمل المدير التنفيذي الحامل للجنسية البرازيلية واللبنانية والفرنسية الذي قضى 18 عاما في تسيير شركة نيسان و13 عاما في رينو، كان مفاجئا.
إن اعتقال غصن يحمل دروسا كثيرة. أحد هذه الدروس هو الدور البارز لكاشفي الفساد في قطاع الشركات في اليابان. وعلى غرار فضيحة المحاسبة لعام 2011 التي تورطت فيها شركة أوليمبس، فإن سوء سلوك غصن المزعوم كُشف لإدارة الشركة من مصدر داخلي.
إلا أنه هناك درسا آخر يكمن في كون فحص حسابات الشركات اليابانية وغيرها من الإجراءات الحمائية لحوكمة الشركات ضعيفة. فإذا أخفى غصن دخله الحقيقي على الحسابات المنشورة للشركة، فأكيد أن هناك متعاونين معه في قسم الشؤون المالية للشركة. ومثل هذه الممارسات يجب أن يكتشفها مدققو الحسابات، وأن يبحث فيها المديرون المستقلون. إن الإفشاء المفاجئ والمتأخر لسلوك المدير التنفيذي، سيرمي بظلاله على الشركة بأكملها.
وتمتد هذه الظلال إلى التصريح بأن حوكمة الشركات في اليابان تتحسن بمعدل كبير، بعد إصلاحات عززتها حكومة رئيس الوزراء شينزو آبي. إلا أن اعتقال غصن قد يتم تجاهله نظرا لحقيقة أخرى في هذه القضية، ظهرت بعد الاعتقال، عندما طرد هيروتو سايكاوا، الذي كان سابقا المدير التنفيذي لغصن، هذا الأخير أكد المديرون اليابانيون تضامنهم التقليدي داخل الشركة في محاولة لتحويل ميزان القوة في الشراكة بين نيسان ورينو وميتسوبيشي، ليكون راجعا من رينو إلى نيسان.
ويمكن لهذا التحول أن يؤدي إلى عدم استقرار التحالف، لكن يبدو أن مُسَيري نيسان يعتبرون هذا أفضل من تصنيفهم في خانة اندماج الشركات الفعلية التي تقول الروايات في اليابان، إن غصن كان يخطط لها. وتمتلك رينو حاليا 43% من الأسهم في نيسان، بينما تمتلك نيسان 15% في رينو، و34% في ميتسوبيشي. إن ملكية مشتركة من هذا النوع جارٍ بها العمل في الشركات اليابانية، لكن ربما كان غصن وشركة رونو يَرَيان الملكية الكاملة نموذجا أكثر استدامة وأطول أمدا.
ومع هذا، فإن أهم درس في هذه القصة المأساوية، لا يكمن في الصراع بين الممارسات اليابانية والممارسات الأوروبية، فبالأحرى في خصام على الراتب وفي الممارسات المراوغة في الشركات. بل الدرس هو أنه إذا كنت لا تمتلك شركة ما، فمن الأفضل أن لا تفكر في البقاء على رأسها للأبد.
لقد بقي غصن رئيساً لشركة نيسان بعد أن ترقى من منصبه كمساعد للرئيس التنفيذي العام الماضي، ومن الواضح أنه اعتقد بأنه لا يزال بإمكانه إصدار الأوامر. إن حسن تدبير الولاية هو مفتاح نجاح أي قائد، الذي لا ينبغي تأجيله حتى فوات الأوان. وهذا ما فشل فيه غصن، إلى حد ما عندما فشل في المغادرة.
وهناك أيضاً، ما يحدث للمستشارة الألمانية ميركل الآن. ففي أكتوبر، صرحت بأنها لن تشارك في انتخابات ديسمبر بصفتها رئيسة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، لكنها قالت إنها ستبقى مستشارة حتى 2021. وفور انتخاب خَلف لها كرئيس للحزب، ستُنقر الطبول إعلانا عن مغادرتها فورا - خاصة إذا تبين أن الفائز هو المنافس التقليدي لها، فريدريتش ميرز.
ومن الأفضل لها بكثير أن تتجنب هذا الضغط عن طريق أخذ المبادرة وإعلان خروجها في ديسمبر. لقد تأخر الوقت لتغير سياستها، التي ستبقى دائما رهينة لقرارها المثير للجدل والذي اتخذته في عام 2015 بفتح الحدود الألمانية لأكثر من مليون لاجئ سوري وآخرين من بلدان الشرق الأوسط. إن فرصتها الأخيرة للتأثير على ما يكتبه المؤرخون عنها هو اختيار اللحظة والطريقة المناسبتين لإعلان انسحابها من الساحة السياسية.
وعلى عكس ميركل، يمكن لغصن أن يؤثر على سياسته من خلال ما يمكن لمحاميه أن يثبتوه في أية محاكمة. ولو أنه انسحب باكرا، وسلم المسؤولية بكاملها بشكل صحيح، لكانت قصته من بين أكبر الإنجازات.
رئيس التحرير السابق لـ «ذي إيكونوميست»، ومؤلف كتاب «مصير الغرب».
