فجأة اكتسب الجدل عن إنشاء جيش أوروبي موحد زخماً إضافياً، فبعد أن اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الفكرة مؤخراً، وقد وافقت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عليها (مع الحث على الحذر).
كانت هذه المسألة في الواجهة في هذا الشهر وذلك عند الاحتفال بمئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى، التي كان من الطبيعي أن تركز اهتمام الأوروبيين على قضايا الحرب والسلام، فخلال تجواله في ميادين معارك الحرب العالمية الأولى، لاحظ ماكرون أن «السلام في أوروبا ثمين جدا» وبأنه «لن نحمي الأوروبيين ما لم نقرر أن يكون لدينا جيش أوروبي حقيقي».

إن هدف إنشاء جيش أوروبي يعود إلى المراحل المبكرة من الاندماج الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، ففي سنة 1954 رفض البرلمان الفرنسي المصادقة على معاهدة كانت ستؤسس مجموعة دفاعية أوروبية وقوة عسكرية موحدة تتألف من ألمانيا الغربية وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ.
ولاحقاً لذلك كانت هياكل الاندماج التي في نهاية المطاف شكلت أساس الاتحاد الأوروبي اليوم ذات طابع اقتصادي وتم ترك الدفاع الإقليمي للناتو ومظلة الأمن الأميركي.
لكن خلال العقود القليلة الماضية كانت هناك حركة أكبر تجاه تأسيس سياسة خارجية وأمنية مشتركة للاتحاد الأوروبي، وتم تطوير هياكل ومؤسسات جديدة تضع نصب أعينها ذلك الهدف.
ولكن ما تزال المناقشات الحالية المتعلقة بالدفاع الأوروبي في مرحلة مبكرة للغاية، وحتى الآن قام الاتحاد الأوروبي بشكل رئيسي بتعزيز التعاون في مجال الأبحاث والتنمية، بينما قامت تجمعات تضم دولاً مختلفة بالعمل على تأسيس قدرات دفاعية وأمنية مختلفة وفي موازنة السبع سنوات القادمة، من المرجح أن يكون هناك تمويل معتبر لمثل تلك المشاريع.
إن ماكرون محق في أن يفكر بأن البيئة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي قد أصبحت هشة بشكل متزايد، والأوروبيون اليوم يواجهون روسيا ذات النزعة الانتقامية والحزام الصيني وإفرازات سياسات أميركا، وعلى الرغم من قيام الولايات المتحدة الأميركية بتوسيع قدراتها العسكرية في أوروبا في السنوات الأخيرة.
إن أوروبا موطن لثلاثة بلدان لديها ثقافة استراتيجية قوية وهي فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا، وكل تلك البلدان لديها فهم مؤسساتي عميق بدينامية القوة الجيوسياسية واستخدام القوة العسكرية، وفي واقع الأمر فإن برنامج روسيا للتحديث العسكري يوحي بأنها قد أصبحت تعتمد بشكل متزايد على القوة العسكرية من أجل تحقيق مصالحها.
في الوقت نفسه، قامت فرنسا بإطلاق مبادرة التدخل الأوروبي، وهي إطار جديد لتوحيد الدول التي لديها قدرات دفاعية حقيقية وترغب باستخدامها والأهم من ذلك كله، فإن هذا التجمع الجديد سيتضمن المملكة المتحدة وحتى بعد أن تغادر الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك فإن رؤية ماكرون لجيش أوروبي تحت قيادة مركزية على مستوى الاتحاد الأوروبي ما تزال رؤية طموحة للمستقبل المنظور، لسبب بسيط وهو أن الدول نادراً ما تتنازل عن جيوشها بشكل طوعي.
مهما يكن من أمر، فإن من المفيد النظر في الهدف الأشمل لماكرون والذي يتجاوز المخاوف الحالية مثل ترامب وبريكست وباختصار يدعو ماكرون أوروبا لتطوير استراتيجية أكثر تماسكاً واستقلالية، من أجل تحقيق مصالحها الأمنية والدفاعية في القرن الحادي والعشرين.
غني عن القول، إن المشروع سيواجه العديد من العوائق فاستخدام روسيا للقوة النووية يمكن فقط ردعه من قبل القوة النووية للولايات المتحدة الأميركية. إن فرنسا وبريطانيا لا تحبان الاعتراف بذلك .
ولكن ترسانتهما النووية هي بكل بساطة غير كافية، وخاصة بسبب قيام روسيا حالياً بتطوير ترسانتها النووية، وبالإضافة إلى الردع النووي، من المرجح أن تبقى الولايات المتحدة الأميركية في مركز القيادة والسيطرة عندما يتعلق الأمر بعمليات في طول القارة وعرضها.
بالإضافة إلى ذلك، يحتاج الأوروبيون إلى تسوية عدد من التوترات الداخلية، ألمانيا تصر على أن يتم وضع جميع البرامج الجديدة ضمن هياكل الاتحاد الأوروبي مع طلب الموافقة البرلمانية على جميع العمليات، ولكن البريطانيين لم يعودوا ينتمون للاتحاد الأوروبي وسيبقون متشككين بالحديث الفرنسي عن الاستقلالية الاستراتيجية.
والتي يمكن أن توحي بوجود ناتو أضعف، وهذا الطرح ينطبق على دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والتي هي اقل رغبة في الموافقة على فك ارتباطها بالناتو أو الولايات المتحدة الأميركية.
على الرغم من هذه المصاعب، نشأ توافق على الحاجة لإعادة هيكلة الدفاع الأوروبي. إن الزخم الظاهري هو التهديد المتزايد من روسيا والصين والشرق الأوسط بشكل عام، ولكن الواقع المزعج هو أن تجدد الاهتمام بالاندماج العسكري يعكس أيضاً تآكل الوضع الاستراتيجي لأوروبا كنتيجة لبريكست ولغير ذلك من العوامل الخارجية.
أنا أتوقع أن الجيش الفرنسي - وليس الجيش الأوروبي - سيستعرض قواته في جادة الشانزليزيه في احتفالات يوم الباستيل لعقود قادمة، ولكن أتوقع أيضاً أن تصبح الدول الأوروبية أكثر حزماً في الدفاع عن سيادتها والتصرف بشكل جماعي عندما يتعلق الأمر بالأمن.
رئيس وزراء ووزير خارجية سابق في السويد.
