تشكل قضية جعل المدن «شاملة وآمنة ومرنة ومستدامة»، أحد أهم أولويات أجندة التنمية المستدامة للأمم المتحدة.

ولا شك في أن خطوة محورية، مهمة وبسيطة، في الشأن، أن تلعب كبير الدور في تعزيز هذا التوجه في حال بادر بتبنيها والاشتغال عليها قادة الكثير من المدن في مجتمعاتنا، تتمثل في وضع خصوصية ومتطلبات احتياجات النساء والفتيات، ومدى دقتها وما تستلزمه، في قلب عملية التخطيط الحضري.

إن غالبية سكان العالم، بحلول سنة 2030، سيعيشون في المناطق الحضرية ولكن وبينما زيادة التمدن - والفرص الاقتصادية والحراك الاجتماعي والاستقلالية التي ترافقه - سينتج عنها المزيد من الفرص للنساء، إلا أن التحقق من المساواة بين الجنسين سيصبح أكثر صعوبة وهذا القلق ينطبق على العالم العربي.

من المفترض في العديد من المجتمعات العربية، أن المساحة الحضرية ينبغي ألا تركز فقط على أن تكون مساحة لا تراعي مسألة خصوصية الاحتياجات النسائية، أي أن تكون وكأنها تبدو ذكورية.. فالأماكن العامة لكلا الجنسين ومفروض أن تتوافر في مرافقها مواصفات تراعي الاختلاف بينهما.

إن الشارع العربي كان مسرحاً للتقدم الذي أحرزته الحركة النسائية.. وحققت المرأة في حضورها ونشاطاتها حيثذاك مكتسبات كبيرة. ولكن لم تتم دراسة الحركة النسائية الحضرية بشكل واسع من قبل مخططي المدن في العالم العربي.

والملاحظ لدينا أنه لا توجد معارف عالية المستوى بكيفية تأثير جنس الفرد على المساحات العامة، حيث لا توجد معلومات عن كيفية تأثير المرأة أو تأثرها بالقرارات التخطيطية، وهذا طبعاً في موازاة حقيقة أنه من دون فهم أعمق للاحتياجات الاجتماعية والمكانية للمرأة العربية، فإن شوارع المنطقة ستبقى لا تلبي لها كامل متطلباتها وبدقة.

إن الاهتمام بالمساحة الحضرية على أساس كون الفرد رجلاً أو امرأة، لا يتعلق بالأمان فحسب.. بل هناك طبيعة خدمات محددة خاصة ومتمايزة تحتاجها المرأة في الأماكن والمرافق العامة، ولا بد للتخطيط الحضري في العديد من مدننا العربية أن يراعي ذلك.

وعليه فإن الحلول يجب أن تتعامل مع مجموعة واسعة من التحديات الاجتماعية والثقافية.. ومن أجل مساعدة مدن كثيرة في المنطقة العربية على التقدم تجاه المزيد من الشمولية، يتوجب على مجتمعاتنا وحكوماتنا التركيز على أربعة إصلاحات رئيسية.

بادئ ذي بدء، يتوجب على مخططي بعض المدن التعاون مع المجموعات النسائية من أجل التحقق من إجراءات الأمن.. ومن خلال تحليل بيانات الجريمة على سبيل المثال، فإن بإمكان المخططين تحديد أين سيتم توجيه التحسينات، مثل: الإضاءة الأفضل أو نشر المزيد من أفراد الشرطة.

عندما يتم إشراك المنظمات النسائية في مثل تلك القرارات فإن المدن تصبح أماكن أكثر أمناً للنساء، وهذا بدوره يعمل على تحسين قدرتهن على اغتنام الفرص الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.

ثانياً، علينا التركيز في الأنظمة التعليمية على تحفيز وتشجيع المزيد من النساء والفتيات لدخول مهن مثل الهندسة المعمارية والتخطيط والتصميم الحضري.. وفي معظم المدن العربية فإن عمليات التخطيط غير مفتوحة لعامة الشعب وخاصة النساء، ومن أجل تغير الوضع القائم الذكوري، يتوجب علينا تشجيع المزيد من الشابات على دخول تلك المجالات وتصميم مساحات عصرية تأخذ بالاعتبار احتياجات النساء.

ثالثاً، تحتاج المدن لأساليب موحدة لقياس حقوق النساء في البيئة العصرية ومن تلك الأساليب، أنظمة قياس على شكل نقاط من قبل النساء ومن أجلهن: يمكن أن تتضمن المسوحات أسئلة عن الأطر القانونية والمشاركة في عملية صنع القرار المتعلقة بالتخطيط الحضري وعادات النقل العام والآراء المتعلقة بالسكان والترفيه والأمان.

أخيراً، يتوجب على المخططين الحضريين إعادة التفكير بكيفية ملء المساحات العامة، خاصة عند إطلاق الفنون العامة، لتراعي احتياجات المرأة والرجل، وبذا فإن الشباب والشابات سوف يكبرون وهم على دراية تامة بأن مدينتهم هي مكان يتم فيه تكريم وحماية الجميع.

إن التخطيط الحضري لم يكن في يوم من الأيام محايداً فيما يتعلق بالفرد، رجل أو امرأة، والقوامون في غالبية المدن العربية على وجه الخصوص، يجب أن يعملوا بجد واجتهاد من أجل أن يضعوا بعين الاعتبار جميع الآراء ورغبات السكان، وبالنسبة للنساء والفتيات فإن المتطلبات تتضمن الشوارع الآمنة والمنشآت العامة التي تتم صيانتها بشكل جيد ووسائل الراحة الناجعة ليس للرجل فقط، بل للمرأة أيضاً.. وتلك مثل: غرف الرضاعة للأمهات.

لو قام المخططون بشكل مستمر بتطبيق تلك المبادئ في عملهم فإن المدينة العربية ستصبح بشكل تلقائي مثالاً يحتذى في مجال تمكين المرأة، وعندما تصبح المدن بمثابة قوة دفع للفرص المتاحة للنساء فإن الجميع يستفيد.

 مديرة معهد الدراسات النسائية في العالم العربي في الجامعة اللبنانية الأميركية.