عندما أهلكت موجة من الجفاف القاسي أجزاءً كبيرة من المحاصيل، اضطر بعض منتجي الألبان واللحوم الأوروبيين لفرز ماشيتهم في وقت مبكر لتقليص عدد الرؤوس التي عليهم إطعامها. وستصبح مثل هذه القرارات روتينية في عالم سيشهد موجات طقس حار أطول أمداً، وأكثر ارتفاعاً في درجة الحرارة، وأكثر جفافاً وأكثر حدوثاً.
إن قطاع تربية الماشية ليس فقط معرضاً للآثار الملاحَظة والمتوقَّعة لتغير المناخ، بل إنه أيضاً السبب الرئيسي في هذه المشكلة. وفي واقع الأمر، تساهم تربية المواشي من أجل إنتاج اللحوم والألبان بنسبة 16.5% من انبعاثات الغازات الدفيئة على مستوى العالم.
وعلاوة على هذا، لو عالجنا ظاهرة تغير المناخ على أساس أنها حالة طارئة، ولو كنا جديين بشأن وتيرة ارتفاع درجة الحرارة خلال السنوات العشرين المقبلة، لكان التأثير النسبي لعملية تربية المواشي أكبر. هذا لأن هذه الأخيرة مسؤولة عن ثلث جميع انبعاثات غاز الميثان الناشئ عن الأنشطة البشرية وعن ثلثين من مجموع انبعاثات أكسيد النيتروجين.
وبعيداً عن تغير المناخ، ترجع نسبة 60% من التنوع البيولوجي المفقود إلى تغير استغلال الأراضي جراء تربية المواشي، وهذه نسبة مهولة، كما أن 80% من كل الأراضي الزراعية مخصصة إما لتربية الماشية أو لزرع طعامها. وهناك حقيقة ترفض أن تتغير، وهي أن اللحوم ليست صحية.
ويمكننا إيجاد حل أفضل دون التضحية بالكثير. حسب بحث أنجزه تشاتام هاوس أخيراً، مثلاً، يمكن للأشخاص في الدول النامية القبول بتقليص نسبة استهلاكهم للحوم، إذا توفرت لديهم بدائل مناسبة وذات نكهة وبالثمن نفسه.
ومن أجل التوضيح؛ أنا لا أقترح على الناس أن يصبحوا نباتيين (رغم أن هذا النظام الغذائي أكثر ملاءمة للبيئة بشكل لا نقاش فيه، ويساهم أقل في تغير المناخ، كما أنه صحي أكثر). ولا أظن أيضاً أنه ينبغي على الحكومات فرض قيود على استهلاك اللحوم. لكن بالنسبة لصناع السياسة الذين يعترفون أن هناك القليل من السلبيات والكثير من الإيجابيات إذا خفض الأشخاص في الدول المتقدمة من نسبة استهلاكهم للحوم، هناك الكثير من الحلول الفعّالة في التكلفة التي يمكن الاسترشاد بها للذهاب في هذا الاتجاه.
أولاً، يمكن للحكومات - بل ينبغي عليها - رفع دعمها عن الزراعة التابعة للشركات، وعن المحاصيل التي تسمن ماشية هذه الشركات لتصبح صالحة للذبح. ومن خلال دعم الدول للممارسات الملوثة وغير الإنسانية، فهي بذلك تدفع للشركات للحيلولة دون تحقيق أهداف الانبعاثات المحددة بموجب اتفاقية باريس لعام 2015 بشأن المناخ.
ويمكن للحكومات، بل ينبغي عليها - تشجيع إنتاج المحاصيل الأكثر حياداً، والأغنى بالبروتينات، مثل القطاني والخضروات الأخرى. ومن خلال زرع المزيد من الفاصوليا، والبازلاء، والعدس، سيساهم المزارعون في التصدي لتغير المناخ عن طريق الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، وسيستفيدون من محاصيل تقاوم حالات الطقس الأكثر جفافاً وحرارة.
ويمكن للحكومات أيضاً أن ترفع دعمها عن المزارع التابعة للشركات، وتحوله لفائدة إنتاج «اللحوم» ذات المصدر النباتي، وغيرها من البدائل. إن أسواق «اللحوم النظيفة» حديثة العهد، لكنها في طور النوم، وردود أفعال الناس إيجابية بشكل كبير بشأن قدوم بعض المنتوجات الأكثر تطوراً إلى الأسواق.
لكن، على غرار ما حدث في صناعة الوقود الأحفوري، دفع مؤيدو صناعة اللحوم صناع السياسات إلى عرقلة سياسة البدائل. وفي دول عدة، نجحت اللوبيات في الدفاع عن منع تسمية منتوجات اللحوم على أنها منتوجات نباتية. فمثلاً، في فرنسا، منعت فرنسا أخيراً مصطلحات مثل «بورغر» نباتي أو «ستيك» نباتي، بحُجَّة أن كلا المنتوجين لا يمكن أن يصنعا إلا من اللحم.
وتشكل مثل هذه السياسات عائقاً أمام التقليص من استهلاك اللحوم، وتتناقض مع التزام الدول بأهداف اتفاقية باريس. ويلعب دور الدعم الذي يقدمه قطاع صناعة اللحوم لهذه الأهداف الدور نفسه الذي لعبه دعم صناعة الوقود الأحفوري، الذي ارتكز على ما هو أهم؛ لا أقل ولا أكثر. أو هل يمكن أن يكون للمنتجين دور إيجابي في التخلي عن استهلاك اللحوم؟
عندما يتعلق الأمر بسياسة المناخ، ينبغي التعامل مع الزراعة على أساس أنها طاقة وأنها ناقلة، كلاهما يتوافران على نقط ترشدنا إلى طريقة معالجة تغير المناخ والحد من الانبعاثات. وقد تعَدَّت السياسات الهادفة إلى الحد من تأثير الزراعة وإنتاج المواد الغذائية، المتمثل في الانحباس الحراري.
يفصلنا عامان عن أول وأهم تقرير لدراسة التقدم بموجب اتفاقية باريس. سيتعين على الدول أن تُظهر ماذا فعلت، وماذا تفعل للحد من انبعاثاتها. لكنها ستتخلى عن جزء كبير من المشكل إذا فشلت في معالجة مشكل إنتاج اللحوم ومشتقات الألبان واستهلاكها.
وفي الوقت نفسه، سيعاني المزارعون الأوروبيون من المزيد من موجات الجفاف مثل تلك التي عانوا منها الصيف الماضي، شأنهم في ذلك شأن منتجي اللحوم الآخرين عبر العالم. إذ سيكون من الصعب إنتاج اللحوم ومشتقات الألبان، كما سيصبح اختيار الماشية في وقت مبكر أمراً عادياً. وكما هو الشأن بالنسبة للوقود الأحفوري، خيارنا الوحيد هو التصدي للمقاومة الدفاعية للصناعة، وتحويل نظامنا الغذائي إلى آخر يكون صحياً ونظيفاً أكثر، بقدر ما هو لذيذ.
* مؤسس بشراكة لمؤسسة الأسواق المتغيرة، ويشغل منصب زميل في معهد قيادة الاستدامة في جامعة كامبريدج، مدير تنفيذي سابق لغريت بيس إنترناشيونال، ومؤلف «العرقلة الكبيرة».

