00
إكسبو 2020 دبي اليوم

الاقتصادات الناشئة والسياسات المطلوبة

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

قال نائب رئيس وزراء سنغافورة تارمان شانموغاراتنام بنبرة حزينة في الاجتماع السنوي لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي في بالي خلال الشهر الماضي «من الخطأ اليوم أن نعاني من عجز في الحساب الجاري، وهذا جنون». وعزز الوزراء الذين لديهم القدرة حساباتهم الجارية المتوازنة، بينما تم التعامل مع المسؤولين من الدول التي تعاني من العجز وكأنهم أشرار.

ومع ذلك، فتارمان قام بتذكير المجموعة، أن دولاً مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة «نمت عن طريق العجز في الحساب الجاري في مراحل مبكرة للتنمية، لنتمكن من الاستثمار في المستقبل من أجل تحقيق النمو وفي الوقت نفسه كنا نبني مدخراتنا».

إن النظرية الاقتصادية تتفق معه بشكل مباشر. فلا تحتاج أسرة للانتظار حتى يكون لديها مدخرات تعادل قيمة البيت الذي ترغب في شرائه. بل، من المنطقي الاقتراض ما دامت الأسرة في عز الشباب، وما دام دخلها متدنياً نسبياً، وتسديد الدين عندما يتحسن مستواها الاجتماعي.

وينطبق المنطق نفسه على الدول النامية، التي تفضل العجز والاقتراض ما دامت فقيرة للهروب من الفاقة. في أي دولة فقيرة، يكون رأس المال نادراً -سواء أكان ذلك المعامل، أم البنية التحتية أم المدارس- إذاً فمعدل العائد على الاستثمارات الجديدة مرتفع. وما يسمح لدولة فقيرة بتحقيق الرفاه هو بالضبط الفرق بين ربحية استثماراتها ومعدل الفوائد الذي تدفعه على القروض.

وهذه الاستراتيجية هي التي ساعدت سنغافورة، وكوريا الجنوبية، واقتصادات ناجحة أخرى على أن تصبح غنية، ومع ذلك، فالدول التي تعاني من العجز تعامل وكأنها ارتكبت ذنباً، لأن العجز يجعل دولة ما تعتمد على العملة الأجنبية المعروفة بتقلبها. والاقتراض من الخارج يمكنه أن يعزز نمو دولة ما، لكنها تجعلها معرضة للأزمات.

كل شيء على ما يرام ما دام قادة الدول الأجنبية يُقرضون، وما دامت الدول الفقيرة مستمرة في الاستثمار. لكن إن شعر المقرضون بالقلق والخوف، فإن «التوقف المفاجئ» في تدفق رؤوس الأموال يقتضي أن تقلص الدولة من الواردات الرئيسية بشكل مفاجئ، مما سيؤدي إلى الكساد، وعندئذ، قد لن يرفض المقرضون الخائفون تمديد قروض جديدة فقط، بل سيطالبون بتسديد الديون القديمة أيضاً.

وعندها ستضطر الشركات والبنوك المحلية إلى التخلص من الاستثمارات، لكن إذا كان هناك بائعون كثر مقابل عدد قليل من المشترين، فستنخفض قيمة الموجودات، ما سيؤدي إلى حالات الإفلاس وأزمة مالية كاملة. وهذا يعطي تبريراً للتوقعات المتشائمة للمقرضين.

وهذا ما وقع بالضبط لعدد لا يحصى من الاقتصادات الناشئة خلال الـ25 سنة الأخيرة. وهذا ما حدث أيضاً للأرجنتين أخيراً: إذ بعد توقف مفاجئ في تدفقات رؤوس الأموال، فقدت العملة المحلية نصف قيمتها وحدث كساد اقتصادي «ولحسن الحظ، لم يخلف ذلك أزمة مالية كاملة». وليس من الغريب إذاً أن ينظر إلى العجز في الحساب الجاري، وكأنه ذنب.

ولكون الدول الناشئة تدرك هذه المخاطر، فإنها غالباً ما تختار بين شيئين. إما أن تعتمد سياسات نقدية ومالية صارمة تحول دون حدوث عجز في الحساب الجاري، أو أنها تدخر مخزوناً كبيراً من الاحتياطات الدولية. ومرادف الاستراتيجية الأولى هو عندما تضيّع عائلة ما كل فرص القروض أثناء شرائها لمنزلها. بينما الاستراتيجية الثانية هي عندما يتم اقتراض قيمة تعادل قيمة المدخرات. ولا جدوى من أي واحدة من هاتين الاستراتيجيتين من ناحية النجاعة.

وترأس تارمان مجموعة عينتها حكومات ج20 لاقتراح إصلاحات مالية دولية «كنت عضواً أيضاً». وفي تقرير وُضع لدى وزراء المالية ومديري البنك المركزي المجتمعين ببالي، قالت المجموعة إنه من الممكن أن تستفيد الدول من تدفق رؤوس الأموال الدولية دون خطر تعرض السوق لتقلبات مفرطة وأزمات.

لكن هذا يحتاج إلى إحداث تغييرات عميقة في السياسات القومية والعالمية، ويبدأ التقرير بالاعتراف بضرورة تقوية الاقتصادات الناشئة لأسواقها المالية الوطنية. وينبغي أن تكون موارد جزء من التمويل وطنية، شأنه في ذلك شأن الدفعة الأولى التي يجب أن يكون مصدرها من مدخرات عائلة حذرة. وينبغي أن تكون القروض المحلية بالعملة الوطنية أيضاً، لحماية المقرضين من خطر معدل سعر الصرف.

ويقترح التقرير أيضاً آليات مراقبة عالمية معززة. ولا ينبغي أن يغطي كون بعض الأزمات المالية ناتجة عن التشاؤم النابع من الذات حقيقة كون البعض ناتجة عن سياسات ناقصة. وإذا أدركت هذه الأخطاء وصححت قبل فوات الأوان، فسيكون لدى العالم فرصة لتجنب الفشل في مرة أخرى.

ولأن الأزمات المالية لها انعكاسات واسعة النطاق ومكلفة، فإن المراقبة الجيدة تعني أن المتفرجين الأبرياء سيكونون في محمى من الخطر، وأهم ما يدعو إليه التقرير هو خلق شبكة سلامة مالية عالمية معززة لضمان أن الدول محمية بشكل جيد من التقلب المفرط والهلع بشأن الأسواق المالية النابع من الذات.

إن شبكة السلامة المالية العالمية تنمو منذ الأزمة المالية التي حدثت منذ عقد من الزمن. وفي عام 2006، كما يوضح التقرير، أتت نسبة 90% من الموارد المتاحة من صندوق النقد الدولي. ومع حلول عام 2016، شكل التمويل الثلث فقط من هذه الموارد، وشكلت الأنظمة المالية الإقليمية واتفاقات المقايضة الثنائية الأطراف النسبة المتبقية، لكن الأنظمة الإقليمية ليست متواجدة في كل مكان، كما أنه فقط عدد محدود من البنوك المركزية منضمة إلى اتفاقيات المقايضة.

وفضلاً عن ذلك، وحسب التقرير، «لم تخضع هذه الميكانيزمات التمويلية للاختبار في الأزمات بعد»، «كما أنها معرضة للتأثر بالظروف التي تعيشها الدول المانحة»، و«لا تشمل العديد من الاقتصادات المهمة أساساً». وأخيراً وليس آخراً، «يفتقر النظام بمجمله للتنسيق الضروري».

في اجتماع بالي، كشف البنك العالمي عن لائحته الجديدة لرأس المال البشري. واحتلت سنغافورة وكوريا الجنوبية مقدمة الترتيب. بينما ينبغي على الاقتصادات الناشئة أن تحقق إنجازات هذين البلدين نفسها في مجال التعليم والصحة، وينبغي عليها أيضاً أن تحذو حذو سنغافورة وكوريا الجنوبية في الطريقة التي مولت بها كل هذه المدارس والمستشفيات: عن طريق الاقتراض من الخارج والعجز الخارجي عند الضرورة.

لكن هذا سيكون مستحيلاً دون سياسات عالمية جديدة وجريئة تسيطر على تقلبات تدفق رؤوس الأموال المؤذية. ويوضح التقرير كيف، والآن نحتاج إلى الإرادة السياسية ليصبح هذا التغيير ممكناً.

* يشغل منصب عميد لشعبة السياسة العامة في كلية لندن لعلوم الاقتصاد والعلوم السياسية

طباعة Email