بعد 95 شهراً على التوالي من نمو الوظائف، انخفض معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى 3.7%، وهو أدنى مستوى بلغه منذ عام 1969. ومع ذلك، يظل نمو الأجور بطيئاً على نحو متواصل.
وكانت مدن الساحل الغربي بين أكثر المناطق تضرراً. فمن سياتل إلى منطقة خليج سان فرانسيسكو ولوس أنجليس، يحاول العاملون في مجالات التكنولوجيا الذين يكسبون رواتب من ستة أرقام تجنب مدن الخيام للوصول إلى العمل، وتخضع حكومات الولايات والمدن لضغوط متزايدة للاستجابة. في الوقت نفسه، انخفض تمويل برامج وزارة الإسكان والتنمية الحضرية إلى مستوى أدنى مما كان عليه في عام 2010 «بعد التعديل تبعاً للتضخم».
من الصعب التوصل إلى تقدير إجمالي دقيق لعدد المشردين، ويرجع هذا جزئياً إلى أنه عدد متغير من السكان. وتشير تقديرات حديثة إلى أن أكثر من 550 ألف شخص يعانون من التشرد في الولايات المتحدة في أي ليلة، وتنتهي الحال بالثلثين إلى ملاجئ الطوارئ أو برامج الإسكان الانتقالي، في حين يجد ثلثهم الطريق إلى مواقع غير محمية مثل المتنزهات، والمركبات، ومحطات المترو. ووفقاً لتقديرات المعهد الحضري فإن نحو 25% من الأشخاص بلا مأوى لديهم وظائف.

في كاليفورنيا، التي تمثل 12% من سكان الولايات المتحدة لكنها تضم 25% من المشردين هناك، انتقلت هذه القضية إلى قمة الأجندة السياسية. ففي عام 2017، أقر الناخبون في لوس أنجلس تدابير ضريبية لجمع 1.2 مليار دولار للإسكان الإضافي للمشردين بشكل مزمن ونحو 355 مليون دولار لخدمات موسعة للمشردين. وهناك تدابير أخرى لزيادة الإيرادات متوقفة على صناديق الاقتراع المحلية في العديد من مدن كاليفورنيا في انتخابات نوفمبر، في سان فرانسيسكو، يدعم مارك بينيوف، رئيس مجلس إدارة شركة Salesforce ورئيسها التنفيذي «واحدة من أكبر أرباب العمل في المدينة» ضريبة مقترحة على إيرادات الأعمال الإجمالية لمكافحة التشرد، وإن كان عمدة المدينة الديمقراطي لندن بريد، وغيره من أرباب الأعمال في الصناعات التكنولوجية «بما في ذلك تويتر» يعارضون هذا التدبير.
من المؤكد أن المزيد من التمويل مطلوب. ولكن لكي يكون التمويل فعّالاً، ينبغي لصناع السياسات أن يركزوا على ثلاث مناطق رئيسية: الوقاية؛ والدعم الفوري والمباشر للمشردين؛ وتقديم المساعدة لأولئك الذين يمرون بمرحلة انتقالية إلى إسكان أكثر استقراراً. علاوة على ذلك، تحتاج الحكومات إلى تقييم أكثر دقة للسكان المشردين، فالأم التي تفر من العنف المنزلي مع أطفالها لها احتياجات تختلف عن احتياجات محارب قديم يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة.
الواقع أن منع التشرد تدبير فعّال من حيث التكلفة وإنساني، لكنه يستلزم حصول الناس على الدخل الكافي لتغطية الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الإسكان. فمن بين 3007 مقاطعات في الولايات المتحدة، يستطيع العامل الذي يكسب الحد الأدنى الفيدرالي للأجور الذي يعادل 7.25 دولارات في الساعة استئجار وحدة سكنية مكونة من غرفة نوم واحدة في 12 مقاطعة فقط. وفي سان فرانسيسكو، حيث سعر المسكن المتوسط يتجاوز 1.5 مليون دولار، يتعين على الأم الوحيدة التي تكسب الحد الأدنى من الأجر أن تعمل 120 ساعة في الأسبوع لتلبية احتياجاتها الأساسية. وحتى خارج المناطق العالية التكلفة، فإن ما يقرب من ثلثي الأسر الأميركية تفتقر إلى المدخرات الكافية لتغطية صدمة قدرها 500 دولار مثل إصلاح سيارة أو نفقات الرعاية الصحية. وبالنسبة لهذه الأسر، قد يؤدي منعطف سيئ واحد إلى التشرد.
علاوة على ذلك، تحرم شبكة الأمان غير الملائمة اليوم العديد من المواطنين من الوصول إلى المنافع التي يمكنها أن تمنع التشرد. وتشير التقديرات إلى أن ثلاث من كل أربع أسر مؤهلة للحصول على مساعدات الإسكان الفيدرالية لا تحصل عليها، وذلك نظراً لشروط الأهلية المتضاربة، والتطبيقات المزدوجة، وعمليات الموافقة المعقدة المتعددة الهيئات. وكثيراً ما يُترَك الشباب الذين يخرجون من برامج الرعاية التربوية أو السجن، وكذا الأشخاص الذين يواجهون تحديات صحية خطيرة، ليعيلوا أنفسهم. وتحتاج الحكومات المحلية بشكل عاجل إلى بذل المزيد من الجهد لضمان اتباع معايير الطرد السليمة.
من المؤسف أن ارتفاع مستويات التشرد تسبب في إجهاد قدرة الحكومات البلدية والمحلية على الاستجابة. على سبيل المثال، في سياتل، حيث توجد ثالث أكبر مجموعة من السكان المشردين بين المدن الأميركية، سرعان ما ألغيت الضريبة عن كل موظف على الشركات الضخمة في ظل ضغوط شديدة من جانب شركات الأعمال. ونتيجة لهذا، غالباً ما يتولى القطاع الاجتماعي أو المنظمات الدينية توفير المأوى للمشردين، وطوابير انتظار القبول في مثل هذه المرافق طويلة ومتزايدة الطول.
بالنظر إلى المستقبل، ينبغي لصناع السياسات أن يضعوا في الاعتبار أن الحلول الأكثر نجاحاً لا توفر المأوى الطارئ للأمد القريب والخدمات اليومية مثل الاستحمام ووجبات الطعام فحسب؛ بل وتساعد الأفراد أيضاً في الانتقال إلى الإسكان المستقر والقدرة على الوصول إلى خدمات الدعم الطويلة الأجل. على سبيل المثال، أطلقت مقاطعة سانتا كلارا في كاليفورنيا مشروع بيت الترحيب، وهي مبادرة تتبنى مبدأ الدفع في مقابل النجاح، التي توفر السكن والخدمات الصحية لمائتي فرد مشرد بشكل مزمن. كما أنشأت مقاطعة لوس أنجلس مكتب التحويل وإعادة الدخول لتدريب الآلاف من العاملين المحترفين لمساعدة المطلق سراحهم من سجن المقاطعة. وتتعاون سان فرانسيسكو مع منظمة نقطة التحول غير الساعية إلى الربح لتوفير وحدات سكنية بتكاليف ميسرة وبرامج الوقاية.
في أماكن أخرى، قادت يوتا أميركا في إدارة نهج «الإسكان أولاً» لعلاج التشرد، التي تركز على وضع المشردين بشكل مزمن في إسكان دائم قبل التعامل مع العوامل الرئيسية التي كانت السبب في تشردهم. وكانت مقاطعة سالت ليك ناجحة بشكل خاص في تنفيذ برنامج يعالج التشرد في سياق إصلاح العدالة الجنائية.
الواقع أن مبادرة «الإسكان أولاً» بديهية: فعلى سبيل الإشارة إلى ما هو واضح بالفعل، يصبح الناس بلا مأوى لأنهم لا يملكون مساكن. لكن لضمان توفير القدر الكافي من الإسكان الميسر لتغطية كل المعرضين لخطر التشرد، تحتاج كاليفورنيا إلى بناء نحو 180 ألف مسكن جديد إضافي كل عام -أكثر بنحو 100 ألف من عدد المساكن التي تبنى حالياً- لمجرد مواكبة النمو السكاني. ومنذ عام 2010، أضيف من الوحدات السكنية نحو ثمانية أضعاف ما أضيف من وظائف في سان فرانسيسكو، حيث قفز متوسط تكلفة بناء «شقة ميسرة» إلى 425 ألف دولار. وتشير تقديرات مقاطعة كينغ في واشنطن، التي تضم سياتل، إلى أنها تحتاج إلى 14 ألف وحدة إضافية لتسكين المواطنين المشردين.
تتلخص خطوة أولى بالغة الأهمية في زيادة إنتاج المساكن على كل المستويات السعرية، مع التركيز بشكل خاص على الطرف الأدنى للسوق. لكن هذا وحده لن يكون كافياً. فالأمر يستلزم بذل قدر أكبر كثيراً من الجهد لمعالجة العوامل المعقدة والمتداخلة في كثير من الأحيان التي تدفع الناس إلى الخروج من بيوتهم إلى الشوارع في المقام الأول.
* رئيسة مجلس مستشاري رئيس الولايات المتحدة للشؤون الاقتصادية سابقاً، وأستاذ في كلية هاس لإدارة الأعمال في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وكبيرة مستشارين في مجموعة روك كريك
** رئيس مجلس إدارة أميركا الجديدة، وكبير شركاء فخري في ماكينزي & كومباني.
opinion@albayan.ae
