وافقت الحكومة الإيطالية على مشروع ميزانية يقضي بتمويل وعودها الانتخابية الباهظة التكلفة بانتهاك القواعد المالية المعمول بها في الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الثلاث المقبلة على الأقل. وبهذا، يؤكد الائتلاف الشعبوي ــ الذي يضم حركة الخمس نجوم، وحزب الرابطة على المخاوف إزاء عدم الاستقرار الذي يستحثه الشعبويون في أوروبا.
تمثل هذه الميزانية انتصار نائبي رئيس الوزراء الإيطالي ــ لويجي دي مايو من حزب حركة الخمس نجوم، وماتيو سالفيني من حزب الرابطة ــ على وزير المالية المستقل التكنوقراطي جيوفاني تريا، الذي قدم اقتراحاً أكثر تحفظاً. وأي وهم بأن الائتلاف الشعبوي يمكن إبقاؤه تحت سيطرة أعضاء مجلس الوزراء المعتدلين أصبح بلا وجود. ومن الواضح أن «حكومة التغيير» الجديدة في إيطاليا، التي لم تكمل أربعة أشهر في السلطة، مستعدة وقادرة على تحدي الاتحاد الأوروبي.
من غير المستغرب أن تكون استجابة السوق سيئة لمشروع الموازنة. لكن من المستبعد أن نرى هجمة مضاربة واسعة النطاق على سوق السندات الحكومية. ذلك أن المفتاح إلى استدامة الدين يتمثل في النمو الاقتصادي. ورغم أن العجز المالي الضخم، الناجم عن التخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق الحالي، من غير المرجح أن تساعد كثيراً على هذه الجبهة، فليس الأمر وكأن محاولات إيطاليا لخفض العجز والدين الحكومي كانت سبباً في تغذية التعافي القوي.
ونظراً لهذا، يبدو من المرجح أن يتبنى المستثمرون نهج الانتظار والترقب، على الأقل في الأمد القريب. وفي غضون ذلك، يستوجب الأمر النظر في العواقب التي قد تخلفها الموازنة الجديدة في إيطاليا على مستقبل الاتحاد الأوروبي، وخاصة اليورو.
إيطاليا ليست أول دولة تخالف قواعد الاتحاد الأوروبي المالية. فقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن مشروع ميزانية لعام 2019 والتي قد تفضي إلى عجز مالي أعلى من الحد الذي أقره الاتحاد الأوروبي بما لا يتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي. كما فعلت دول أخرى، بما في ذلك ألمانيا، نفس الشيء في الماضي. ولا يوجد من الأسباب، ما يجعلنا نعتقد أن المزيد من البلدان لن تفعل نفس الشيء في المستقبل.
من الواضح أن الإطار المالي في الاتحاد الأوروبي، والذي بموجبه يفترض أن تلتزم الموازنات الوطنية بقواعد مشتركة، بات معطلاً. ونظراً لمكانة هذا الإطار بوصفه إحدى ركائز معاهدة ماستريخت ــ تتمثل ركيزة أخرى في السياسة النقدية المشتركة ــ فإن النتيجة قد تكون تدمير اليورو. ويبدو على نحو متزايد الوضوح أن السبيل الوحيد لتجنب مثل هذه النتيجة يتلخص في ابتكار إطار بديل. ولكن أي هيئة قد يتخذها هذا الإطار البديل؟
يتمثل أحد الخيارات في التخلي عن القواعد المالية والسماح لقوى السوق بفرض الانضباط. ومن المرجح أن يسفر مثل هذا الاختيار عن نتيجة غير مستقرة على الإطلاق. ولهذا السبب، تقوم المقترحات الجديدة، مثل إعلان ميتشبرج الفرنسي الألماني بشأن إصلاح منطقة اليورو، على حل وسط: الجمع بين درجة ما من تقاسم المخاطر وتدابير الحد من المخاطر واستحثاث قدر أعظم من انضباط السوق، عن طريق إعادة هيكلة الديون على سبيل المثال.
بيد أن تنفيذ مثل هذه الإصلاحات يبدو غير واقعي على نحو متزايد. ولكي ينجح هذا النهج يجب أن تكون الدول الأعضاء قادرة على الثقة في أن الجميع سوف يلتزمون بقواعد مشتركة. ولكن بعد أحدث الانتهاكات المالية أصبح هذا غير وارد ببساطة. علاوة على ذلك، تتضاءل الرغبة في تقاسم المخاطر في دول شمال أوروبا، حيث تمكن الضعف من الأحزاب السياسية المؤيدة للإصلاح على نحو متزايد. وعلى هذا فإن النهج الأفضل يتمثل في التركيز على الحد من العوامل الخارجية في القرارات المالية التي تتخذها الدول الأعضاء الهشة، بدلاً من محاولة الالتفاف حول القرارات ذاتها.
على سبيل المثال، يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يفرض سقفاً ليس على إجمالي الديون، بل على ذلك القسم من الديون الذي يحتفظ به أجانب. وبهذه الطريقة، يصبح بوسع كل دولة أن تزيد من مديونيتها، إذا اختارت ذلك، ما دام الدائنون من مواطنيها.
بموجب هذا النهج، قد يأتي القرار بالإنفاق للخروج من الدين - باستخدام الإنفاق الممول بالاستدانة لتوليد النمو، وبالتالي تحقيق الاستدامة - على حساب شكل ما من أشكال القمع المالي، والذي تعتمد جدواه على استعداد المواطنين لتمويل حكومتهم من خلال استثمار مدخراتهم في سنداتها السيادية، بدلاً من ملاحقة حافظات أكثر تنوعاً وربحية. وهذا النموذج قائم بالفعل في اليابان، وحتى إيطاليا، بحصتها الضخمة من الدين العام المحتفظ به محلياً والثروة الخاصة الصافية الكبيرة، ليست بعيدة كثيرا عن نفس الوضع.
تتمثل الميزة الكبرى في هذا النهج في أنه يجبر الساسة على تحمل المسؤولية كاملة عن تصرفاتهم، وليس مجرد توجيه أصابع الاتهام إلى أوروبا عندما يقع أي خطأ ــ وهي العادة التي تسببت في تغذية صعود النزعة الشعبوية في العديد من الدول. وإذا اختاروا التنازل عن مزايا التكامل المالي الأوروبي، فعليهم أن يفسروا ذلك القرار للناخبين، الذين يمكنهم أن يعبروا عن موافقتهم أو رفضهم في صناديق الاقتراع، وبالطبع، من خلال قراراتهم الاستثمارية.
بطبيعة الحال، هذا النهج من شأنه أن يحد من التكامل المالي، لأن البنوك ستضطر إلى شراء سندات حكوماتها، مما يقوي الصلة بين المخاطر المالية والسيادية ويزاحم الإقراض للقطاع الخاص. وعلى هذا فإن تبني مثل هذا النظام يظل بلا معنى إلا إذا كان اللجوء إلى خيار استخدام الإنفاق للهروب من الديون نادراً ومؤقتاً.
السؤال الكبير هنا هو ما إذا كان اليورو قادراً على البقاء في ظل مثل هذه المجموعة من القواعد. يتلخص الغرض من استخدام أي عملة مشتركة في ضمان الاستقرار النقدي في الأسواق المتكاملة مالياً ــ وهو الموقف الذي يفترض أنه مفيد للنمو. وبقدر ما يجري خفض التكامل المالي، يتضاءل الدافع الاقتصادي للحفاظ على اليورو. وعلى هذا فإن حماية اليورو تستلزم ضمان عدم ممارسة الحرية المالية التي يوفرها هذا النمط الجديد من القواعد - التمييز بين المستثمرين الوطنيين وغير الوطنيين - إلا في حالات الضرورة القصوى.
ربما يستطيع المرء أن يجزم بأن ترسيخ قواعد جديدة تنظم متى وكيف يمكن كسر القواعد القديمة ينضح باليأس. ولكن في وقت حيث تستهزئ الدول بالقواعد المالية على أية حال، فإن الإطار الذي يحدد الظروف الاستثنائية ويتعامل معها من الممكن أن يساعد في تجنب انهيار اليورو بشكل غير منظم أو اندلاع أزمة سياسية مسببة للشلل.
لوكريزيا رايكلين - مديرة البحوث السابقة في البنك المركزي الأوروبي، وأستاذ الاقتصاد في كلية لندن لإدارة الأعمال

