يوجد في واقع الأمر، أسباب جيدة لمعارضة أي انقلاب في فنزويلا مدعوم من الولايات المتحدة الأميركية، فالعديد من المشاركين المحتملين من المرجح أن تكون سمعتهم سيئة وسجلهم المتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، وأنه من شبه المؤكد أن يفشل مثل هذا الانقلاب وسيعطي حكومة تمارس بالفعل أعمال القمع مبرراً إضافياً لقمع معارضيها.

أن من الخيارات الأخرى هو تدخل مسلح بقيادة الدول المجاورة لفنزويلا والتي تأثرت سلباً بتدفق اللاجئين والذين وصل عددهم بالفعل إلى 2-4 ملايين شخص، وهذا العدد يزداد بمعدل 50000 - 100000شخص شهرياً ولو قادت تلك الدول مثل هذا التدخل فإنه لن يكون لتلك الدول نفس الأثر السياسي السلبي لعملية عسكرية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

لكن هذا السيناريو كذلك يمكن استبعاده وذلك بسبب النزعة الإقليمية المعادية للتدخلات العسكرية وحقيقة أن الدول المجاورة لفنزويلا تفتقد الوسائل لتنفيذه ففنزويلا هي تقريباً ضعف حجم العراق ولديها 100000 مواطن مسلح ومليئة بضباط المخابرات الكوبيين الذين يساعدون النظام وأي تدخل لن يكون بمثابة نزهة.

إن منتقدي التدخل يفضلون فرض عقوبات إضافية على كبار المسؤولين، وهذا يمكن تبريره ولكن لا يوجد سبب يدعونا للاعتقاد أن عمل ذلك سيكون حاسماً وخاصة أن الصين تقدم مبالغ ائتمانية ضخمة من دون أي شروط. إن الاقتراح الثاني بتقديم دعم ذي معنى للاجئين سيكون مكلفاً وهو خيار غير واقعي بالنسبة للعديد من البلدان علماً أن مثل تلك السياسات تتعامل مع الأعراض وليس سببها.

أن مستقبل فنزويلا قاتم فالاقتصاد تقلص بمقدار النصف خلال الخمس سنوات الأخيرة وانخفض إنتاج النفط بنسبة مشابهة، وهناك تدهور في البنية التحتية والتضخم يقترب من مليون بالمئة. لقد انتشر الفقر في بلد كان في الماضي واحداً من أغنى دول المنطقة ويمتلك أكبر احتياطات العالم من النفط ولقد انتشرت الجريمة في البلاد وتراجع نظام الرعاية الصحية وانتشر الجوع.

لقد أنشأ مادورو والذي حصل أخيراً على فترة رئاسية ثانية لمدة ست سنوات وذلك في انتخابات يعتقد معظم المراقبين أنها تفتقر للنزاهة جمعية تأسيسية جديدة «من أجل الالتفاف على الجمعية الوطنية التي تتحكم بها المعارضة»، وذلك لكتابة دستور جديد من أجل تدعيم حكمه وهناك تقارير عن اعتقالات تعسفية وأعمال تعذيب.

ما زلت أشير إلى نفس السؤال الذي قمت بطرحه بشكل علني وغير علني في الأشهر الأخيرة وهو ما هو المدى الذي من الممكن أن تسوء فيه الأمور قبل أن يكون العالم مستعداً للتصرف؟ كم عدد الأشخاص الذين يجب عليهم أن يخسروا حياتهم ؟ كم عدد الأشخاص الذين يجب أن يصبحوا من اللاجئين ؟

يبدو أنه لا توجد أجوبة على تلك الأسئلة ولكن في مرحلة ما سيصبح من غير المبرر تجنبها فالإنكار لا يعتبر استراتيجية.

ولكن في هذه الأثناء فإن الأمور واضحة بالنسبة لثلاثة مواضيع على أقل تقدير وهي:

أولاً، إن عقيدة مسؤولية الحماية أو حق الحماية والذي تم تبنيه بالإجماع من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2005 رداً على مصرع نحو مليون رجل وامرأة وطفل في رواندا بسبب تقاعس العالم، وإن العالم لم يفعل الشيء الكثير سوى مراقبة الدمار في سوريا أو عمل ما هو أسوأ من ذلك من خلال المشاركة في ذلك الدمار، حيث فقد نصف مليون شخص حياتهم وأجبر معظم السكان على ترك منازلهم.

إن هذه تعتبر مأساة كبيرة وهذا لا يعود فقط للأسباب الإنسانية الواضحة ولكن أيضاً لأن حق الحماية أدخل مبدأ مهماً وهو أن السيادة تنطوي على التزامات وحقوق، وأنه عندما تفشل الحكومات في الوفاء بالتزاماتها فإن هذا يعني أنها ستخسر حقوقها المتعلقة بالسيادة علماً أننا بحاجة لمثل هذا المبدأ في العالم لأن معظم ما يحصل في البلدان يؤثر على مصالح الآخرين خارج حدودها وعادة ما يكون مثل هذا التأثير كبيراً.

ثانياً، إن الحكومات تخسر الحرب ضد الجريمة والعصابات والكارتيلات وأميركا اللاتينية والتي يوجد فيها أقل من 10% من سكان العالم مسؤولة عن ثلث جرائم القتل على مستوى العالم وما لم يتغير ذلك فإن أفضل الناس سيهربون وهم محقون في ذلك كما ستهرب الاستثمارات وسيكون هناك تباطؤ في النمو الاقتصادي أو سيختفي تماماً وهذه قد تشكل حلقة مفرغة وليست حلقة إيجابية.

يتوجب على الحكومات بناء قوات الشرطة والقوات المسلحة وفي الوقت نفسه فإن على الدول الخارجية والتي لديها مصلحة في المنطقة المساعدة.

ثالثاً، تحتاج أميركا اللاتينية لإصلاح الهيئات الإقليمية الحالية وذلك ابتداء من منظمة الدول الأميركية أو تطوير نماذج جديدة للتعاون الإقليمي. إن المتطلب المتعلق بالتوافق قبل العمل يمكن أن ينظر إليه على أنه وصفة للتردد.

إن ما يتعلق بالنقطتين الأخيرتين هو الحاجة لإعادة التفكير بأمن المنطقة، فأميركا اللاتينية قد تجنبت بشكل عام الأبعاد الجيوسياسية والحروب والتي أصابت أجزاء أخرى من العالم ولكن هذه الإجازة من التاريخ قد انتهت فالتهديدات للاستقرار الداخلي هي تهديدات كبيرة، وهي في ازدياد، وكما هو الحال في فنزويلا فإنه عندما ينهار النظام الداخلي فإن الاستقرار الإقليمي يصبح في خطر بسبب تدفق اللاجئين والعصابات، ولقد حان الوقت أن يتعامل زعماء المنطقة مع البيئة الأمنية التي تتدهور سريعاً في منطقتهم، وذلك قبل أن تطغى عليهم.

 ريتشارد ن هاس - رئيس مجلس العلاقات الخارجية ومؤلف كتاب عالم في حالة من الفوضى