قال السياسي النمساوي مترنيخ منذ قرنين من الزمن «إن إيطاليا ليست سوى تعبير جغرافي». في ذلك الوقت، تم تقسيم شبه الجزيرة إلى عدد لا يُحصى من الدول الصغيرة. ينظر البعض في بكين وموسكو ونيودلهي وواشنطن، إلى أوروبا بنفس الطريقة.
هم يدركون أهمية الاتحاد الأوروبي بالنسبة للاتفاقات التجارية وقضايا العملة، لكنهم يعتبرونه غير جدير ليكون لاعباً حقيقياً في فضاء القوة العالمية الحالية، وغير قادر على مواجهة تحديات الأمن والهجرة لشدة انقسامه. تتمثل مهمة أوروبا اليوم في إثبات أنهم على خطأ. اعتمد الاتحاد الأوروبي تقليدياً على تقنيتين في الماضي لمعالجة الانقسامات الداخلية.
تتمثل التقنية الأولى في ربح الوقت، من خلال التظاهر بأن جميع الدول الأعضاء تتقاسم نفس الهدف النهائي، المتمثل في «الاتحاد الأوثق»، والثاني هو نقل الاختصاصات إلى مستوى الاتحاد الأوروبي، وتسوية الخلافات من خلال التصويت بالأغلبية. هذه هي الطريقة التي تم من خلالها بناء السوق الموحدة، وإدارة السياسة التجارية بنجاح، على الرغم من المواقف والمصالح المختلفة على نطاق واسع.
لكن هذه العملية لن تنجح، إلا بموافقة الدول الأعضاء على الامتثال لقرارات الأغلبية. لا يمكن حل القضايا المتعلقة بالأمن أو الدفاع أو اللجوء على هذا النحو. لقد تمت بالفعل بعض المحاولات - في قضية اللاجئين - لكنها باءت بالفشل: تم التوصل إلى قرار حول كيفية توجيه طالبي اللجوء إلى الدول الأعضاء، لكن تعذّر تنفيذه.
من المُسَّلم به أن المناقشات الوجودية قديمة قدم الاتحاد الأوروبي، لذا، تبدو جزءاً من هويته. لكنها تّعَد غريبة بالنسبة للغالبية العظمى من المواطنين، كما هي مألوفة بالنسبة لخبراء السياسة المهووسين بها. لذلك، لا يجب أن يلام المرء عن تجاهل أزمة الهوية الأوروبية الأخيرة.
* أستاذ في مدرسة هرتي للحكم (برلين) والعلوم السياسية (باريس)
