تخيّل عالماً تكون فيه الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي أكثر تركيزاً على العملاء. قبل بداية الاجتماع، الذي سيُعقد هذا العام في إندونيسيا في أكتوبر، سيدعو صندوق النقد الدولي الدول الأعضاء فيه البالغ عددها 189 دولة إلى تحديد ثلاث قضايا سياسية رئيسة، ليس في المناقشات الرسمية فقط، ولكن أيضاً في العديد من الندوات الموازية، وستكون النتيجة إقامة جدول أعمال يستجيب بشكل أفضل للقلق المستمر الذي يشعر به عدد متزايد من صناع السياسات والسكان.

منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية، ركزت البلدان في جميع أنحاء العالم على ما وصفته هيلين ري، من كلية لندن لإدارة الأعمال وغيرها بـ«العامل العالمي»، وهو عبارة عن مجموعة من التأثيرات الخارجية التي يصعب على الدول إدارتها أو التحكم فيها، لكنها تؤدي دوراً مهماً في تحديد التقلبات الداخلية الرئيسة، وقد خلق هذا تغيرات اقتصادية ومالية أدت إلى تعقيد إدارة السياسة الداخلية، وزيادة الاستقطاب السياسي، وتفاقم الانقسامات الاجتماعية.

وقد أدى النهج إلى زيادة الشعور الدولي بعدم الأمان، خاصة في آسيا. لا يتعين على هذه الدول التعامل مع التغييرات الكبيرة في تدفقات رأس المال وأسعار الفائدة وأسعار الصرف فقط، ولكن عليها أن تتكيف مع الواقع حيث لن تتمكن من الاعتماد على بعض الافتراضات الأساسية الطويلة الأمد حول التجارة الدولية، لكن هذه ليست مجرد مشكلة بالنسبة إلى الاقتصادات الناشئة. وعلى الرغم من المحاولات الرامية إلى تعزيز القدرة على الصمود، بما في ذلك من خلال التدابير الحصيفة الجزئية والكلية، فلا تزال العديد من البلدان عرضة للعامل العالمي.

وبطبيعة الحال، فإن البلدان التي تعاني ضعفاً اقتصادياً ومالياً داخلياً هي أول من يواجه الأزمات، ولكن حتى في الاقتصادات التي تدار بشكل أفضل، تؤثر العوامل الخارجية في الأوضاع المالية المحلية بطرق لا يمكن أن تكون لها علاقة كبيرة بالأساسيات المحلية. ففي سويسرا، على سبيل المثال، كانت أهم التحديات التي واجهتها الإدارة الاقتصادية في السنوات القليلة الماضية تتعلق بالآثار غير المباشرة الناشئة عن منطقة اليورو أكثر من المشكلات المحلية. وفي مواجهة هذه التحديات، اضطرت السلطات إلى تنفيذ بعض التدابير الشديدة، لا سيما أسعار الفائدة السلبية المرتفعة.

من المحتمل أن تشتد حدة هذه الديناميكيات المزعزعة للاستقرار خلال الأشهر القليلة المقبلة، وذلك لسببين: أولاً، ستستمر البنوك المركزية في طريقها نحو تطبيع السياسة النقدية - وإن كان ذلك بمعدلات مختلفة - بعد عدة سنوات من التدابير المتساهلة التي تركز على وقف التقلبات المالية. ونتيجة لذلك، من المرجح أن يتفاقم الوضع المالي للعديد من دول العالم النامي أكثر إحكاماً وأقل قابلية للتنبؤ.

يكمن السبب الثاني في ضعف أداء الاقتصادات المتقدمة، مع تسارع النمو في الولايات المتحدة، و تراجع القوة الاقتصادية في أوروبا واليابان. سيضع هذا الوضع المزيد من الضغوط على الفوارق في أسعار الفائدة، التي سجلت بالفعل معدلات غير مسبوقة، وتقلبات أسعار صرف الوقود.

وإضافة إلى عواقبها الاقتصادية، من المرجح أن تؤدي هذه الاتجاهات إلى تفاقم التوترات السياسية والاجتماعية. بعد كل شيء، قد يكون من الصعب فهم آثار كلا الاتجاهين دون فهم صحيح لهيكل السوق المعقد نسبياً والعوامل التقنية، وهذا يجعل من الصعب تفسير التحديات الضخمة المقبلة، مما سيُشعر الكثيرين بالارتباك وعدم الأمان وخيبة الأمل.

يمكن لصندوق النقد الدولي ويجب عليه مساعدة أعضائه في مواجهة هذه التحديات من خلال أداء دور أكبر في تقديم التحليل وتوجيه النقاش في المجالات الرئيسة بشكل أكثر فعالية. في مثل هذا العالم، سوف يركز جدول أعمال صندوق النقد الدولي على العمل الأكثر جرأة في ثلاثة مجالات.

أولاً، على صعيد كل بلد، إضافة إلى تركيزه على المرونة الاقتصادية، سيدرس صندوق النقد الدولي التدابير الفعّالة التي سيتم تنفيذها خلال المراحل القصوى لدورات السيولة العالمية، من أجل مواجهة القوى الفنية المزعزعة للاستقرار. وسيكون هذا النهج امتداداً طبيعياً للعمل المنجز في مجال التدابير الحصيفة الجزئية «التي تركز على المؤسسات» والتدابير الكلية «التي تركز على النظام».

ثانياً، على المستوى المؤسسي، سيواصل صندوق النقد الدولي الضغط بقوة من أجل اتخاذ تدابير لتتبع وفهم التداعيات والانعكاسات، بما في ذلك دمج وتوسيع الروابط المالية التي تتفوق في مجالات الرصد وتصميم البرامج وآليات الإنذار المبكر، هذا من شأنه أن يمنع حالة عدم الاستقرار المالي من التحكم في الاقتصاد الحقيقي، وقد تم تسليط الضوء في وقت سابق من هذا العام على أهمية هذه التدابير في الأرجنتين، حيث تم إخراج البرنامج المصمم بشكل جيد تقليدياً عن مساره الطبيعي في غضون أسابيع قليلة بسبب التطورات التقنية غير المتوقعة.

ثالثاً، على المستوى الجماعي، هناك حاجة إلى مناقشة أكثر انفتاحاً وصدقاً وتعاوناً بشأن الآثار العابرة للحدود لسياسات الدول الفردية. كما يجب أن تعترف هذه المناقشة بفشل الجهود السابقة لمعالجة هذه القضية، فضلاً عن تكاليف تعميق تفكك النظام النقدي الدولي، وسوف يثير هذا حتماً تساؤلات عن التمثيل العادل والحكم في المؤسسات متعددة الأطراف، فضلاً عن التحيز المستمر في استجابة النظام للاختلالات والاختلافات الرئيسة في الأداء الاقتصادي والسياسي.

وبدون إحراز تقدم في هذه المجالات الثلاثة، فإن الألغاز المقلقة والتحديات السياسية المدمرة التي تواجه العديد من البلدان حول العالم ستبقى دون حل، وهذا من شأنه أن يزيد من مخاطر تنفيذ البلدان سياسات لا تتعارض مع سياسات جيرانها فقط، ولكن لها أيضاً تأثير دون المستوى الأمثل في الداخل.

إن صندوق النقد الدولي هو المنظمة الاستشارية الأنسب والموثوق بها وأداة فعالة للسياسية العالمية، لكن لملء هذا الدور، يجب عليه أن يعزز مصداقيته كمنظمة قيادية مستجيبة وفعالة، وهذا يعني الاستماع بشكل أفضل لأعضائها، ومن ثم تقديم دعم أكثر فعالية لهم في متابعة سياسة أكثر تنسيقاً.

 محمد أ. العريان - كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز، وعمل رئيس مجلس التنمية العالمي للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما