ينمو الاقتصاد الأميركي، الآن، وقد بلغ التضخم أخيراً الهدف الذي حدده بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بنسبة 2%، كما انخفضت البطالة إلى حد كبير ــ بل إنها استقرت عند أدنى مستوياتها على الإطلاق بالنسبة للأميركيين من أصل أفريقي أو أميركي لاتيني.
ولأول مرة في الذاكرة الحية، أصبح عدد الوظائف الشاغرة المدرجة من قِبَل الشركات الأميركية أكبر من عدد العاطلين عن العمل. ومثل هذه الظروف تؤذن عادة بارتفاع الأجور الحقيقية «المعدلة تبعاً للتضخم»، وهو ما قد يشير إلى أن العمال الأميركيين، الذين تخلف كثيرون منهم عن الركب بسبب التعافي الهزيل بعد الأزمة، ربما يحصدون أخيراً فوائد الاقتصاد القوي.
تنبئنا النماذج الانتخابية بأن الاقتصاد القوي يحابي الحزب القائم في السلطة، وأن الاقتصاد الضعيف يحكم عليه بخسائر ساحقة. ورغم أن الاقتصاد الآن في أفضل حالاته في أكثر من عشر سنوات، فإن أغلب استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم الحزب الديمقراطي بشكل كبير في الفترة السابقة لانتخابات التجديد النصفي في الكونجرس الأميركي في شهر نوفمبر. وعلاوة على ذلك يتوقع معظم خبراء السياسة أن يستعيد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب.
بل إن بعض المراقبين يتوقعون «موجة زرقاء» يستعيد فيها الديمقراطيون السيطرة حتى على مجلس الشيوخ، على الرغم من اضطرارهم إلى الدفاع عن عدد أكبر كثيراً من المقاعد مقارنة بالجمهوريين. في انتخابات خاصة عديدة أجريت مؤخراً، احتفظ الجمهوريون بمقاعدهم بهوامش أضيق كثيراً مقارنة بانتخابات سابقة على نفس المقاعد في الكونغرس.
ربما يكون القائمون على الاستطلاع والخبراء مخطئين ببساطة، كما كان أكثرهم في انتخابات 2016. في الوقت نفسه، ربما يؤذي الرئيس دونالد ترمب الآفاق الانتخابية لشخصه وحزبه، وخاصة بين نساء الضواحي، بسبب الهجمات الشخصية التي يشنها ضد من ينتقدونه ــ بمن في ذلك نجم كرة السلة الشهير ليبرون جيمس. ومن المحتمل، على الرغم من التصنيفات المرتفعة لتعامله مع الاقتصاد، ألا يعزو العديد من الناخبين قوة الاقتصاد إلى سياسات الرئيس الاميركي دونالد ترامب.
ولكن هناك احتمالاً آخر مفاده أن «التأثير الاقتصادي» على الانتخابات لم يعد حقيقياً. ورغم أن الضائقة الاقتصادية ربما تلحق الضرر بالحزب في السلطة، فإن القوة الاقتصادية قد لا تساعد بقدر ما كانت تفعل في الماضي. فمع تزايد ثراء الناخبين، يكتسب عدد أكبر منهم ترف التركيز على قضايا أخرى.
في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي للمنطقة الرابعة عشرة في نيويورك في وقت سابق من هذا العام، أنزلت الاشتراكية الديمقراطية ألكسندريا أوكاسيو كورتيز هزيمة قاسية بالنائب الحالي جوزيف كراولي، الديمقراطي في المرتبة الرابعة في مجلس النواب. والواقع أن كراولي، الذي أبدى ثقة مفرطة بالذات، لم يخض الحملة الانتخابية إلا بالكاد.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت أوكاسيو كورتيز أثيرة لدى وسائل الإعلام، فظهرت إلى جانب بيرني ساندرز سيناتور فيرمونت، الذي يصف نفسه بأنه اشتراكي خسر ترشيح الحزب الديمقراطي لمنصب الرئاسة بهامش ضيق في عام 2016. ورغم أن قسماً كبيراً من الطاقة بين الديمقراطيين يتركز عند أقصى اليسار، فقد أثبت الحزب صدقه باختيار مرشحين لديهم فرصة حقيقية لتحقيق الفوز في نوفمبر.
من ناحية أخرى، في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، كان المرشحون الذين أيدهم ترامب أو أولئك الذين توافقوا معه يميلون إلى الفوز. لكن الجمهوريين لا يتمتعون في الوقت الحالي بقدر كبير من الحماس مثل الديمقراطيين، وهو ما قد يؤثر على نسبة المشاركة بين مؤيدي الحزب في نوفمبر.
تكاد انتخابات التجديد النصفي تكون أشبه باستفتاء على الرئيس وسياساته دائماً. ففي انتخابات التجديد النصفي في عام 2010 ثم في عام 2014 كان الناخبون ينظرون إلى الأغلبية القوية من الجمهوريين على أنها رفض للرئيس باراك أوباما. وعلى هذا فإن الديمقراطيين كانوا ينظرون إلى الانتخابات النصفية على أنها استفتاء على ترامب.
في الوقت نفسه، حاول الجمهوريون أن يجعلوا الانتخابات النصفية تدور حول نانسي بيلوسي، زعيمة الأقلية الليبرالية في مجلس النواب من سان فرانسيسكو والتي من المرجح أن تعود كرئيسة للبرلمان إذا فاز الديمقراطيون بأغلبية في مجلس النواب. والمشكلة هي أن الرئيسة المحتملة تُعَد هدفاً أكثر صعوبة من الرئيس الجالس، ناهيك عن رئيس مقنع في وسائل الإعلام مثل ترامب.
في الوقت الراهن، ينصب الاهتمام على الدور المحتمل الذي قد يلعبه الاقتصاد في الانتخابات. ولكن بعد يوم الانتخابات، ستؤثر النتائج بدورها على السياسات الاقتصادية، وبالتالي على آفاق الاقتصاد. وإذا احتفظ الجمهوريون بمجلسي النواب والشيوخ، فسوف تستمر الضريبة الداعمة للنمو والإصلاحات التنظيمية التي أقرت حتى الآن، بل ربما حتى يجري توسيعها. على نحو مماثل، إذا احتفظوا بمجلس الشيوخ، فسوف يستمر تثبيت القضاة الفيدراليين المحافظين.
في المقابل، من المتوقع أن تعمل الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب على منع مقترحات ترامب التشريعية؛ وسوف تعرقل الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ (وهو احتمال مستبعد) تعيين القضاة المحافظين. ورغم أن الحكومات المنقسمة تنتج أحياناً تسويات سياسية وتشرف على اقتصاد قوي، فمن الصعب أن نتخيل حدوث أمر كهذا إذا استعاد الديمقراطيون أياً من مجلسي الكونجرس أو كليهما.
في كل الأحوال، حتى الديمقراطيون المعتدلون فرضاً تحركوا نحو اليسار لصد المنافسين الاشتراكيين. والآن يتضافر المزيد من الديمقراطيين حول أجندة تتسم بالإنفاق الحكومي المتوسع إلى حد كبير بالإضافة إلى ضرائب أعلى (رغم أنهم لم يتحدثوا كثيراً عن الضرائب).
مايكل جيه. بوسكين - أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد، وكبير زملاء معهد هوفر، وكان رئيساً لمجلس الرئيس جورج بوش الأب للمستشارين الاقتصاديين في الفترة من 1989 إلى 1993.

