قام وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون في الأسبوع الماضي بإعادة إحياء مقترح قديم بإنشاء جسر بطول 22 ميلاً عبر القنال الإنجليزي، ولكن سخرية المقترح لم تمر مرور الكرام فجونسون يدعو لإنشاء جسر خيالي في الوقت الذي يدمر الجسر الوحيد الحقيقي بين الجزر البريطانية والقارة الأوروبية أي الاتحاد الأوروبي.
إن مقترح جونسون المتعلق بالجسر يظهر مجدداً أن البرنامج الكامل لمؤيدي الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي (بريكست) يعتمد في الأساس على الإنكار الدائم للوقائع على الأرض، ففي ديسمبر تظاهرت المفوضية الأوروبية بالقبول وسمحت لرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بالادعاء بأن من الممكن التوصل إلى ثلاثة أهداف متناقضة تتعلق بالخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.
إن الهدف الأول لبريطانيا هو الاحتفاظ بحدود «ناعمة» وتجارة سلسلة مع جمهورية إيرلندا، والتي ستبقى دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وتخضع لأحكام السوق الموحدة الأوروبية والاتحاد الجمركي. إن الهدف الثاني هو تأسيس أحكام تنظيمية متطابقة في طول المملكة المتحدة وعرضها بما في ذلك إيرلندا الشمالية، والهدف الثالث هو «استعادة السيطرة» بالخروج من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي والسلطة القضائية لمحكمة العدل الأوروبية.
إن تحقيق هدفين من تلك الأهداف الثلاثة يبدو ممكناً، ولكن لا أحد يعرف كيف يمكن تحقيق جميع تلك الأهداف الثلاثة، ولكن مهما يكن من أمر فإن مفاوضي الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يمضون قدماً الآن للمرحلة الثانية من عملية بريكست من دون تسوية المعضلة الثلاثية للمرحلة الأولى، وفي واقع الأمر يتوقع خبراء في المفوضية الأوروبية أن الجولة المقبلة من المفاوضات ستقود لثلاث اتفاقيات مع المملكة المتحدة بحلول أكتوبر 2018.
إن الاتفاقية الأولى ستعمل على تسوية بنود الطلاق، فعلى الرغم من الغموض المتعلق بإيرلندا الشمالية، إلا أن المفاوضين بدأوا بالتوافق على القضايا المهمة الأخرى بما في ذلك حجم فاتورة الخروج البريطاني والحقوق المستقبلية لمواطني الاتحاد الأوروبي في بريطانيا والمواطنين البريطانيين في الاتحاد الأوروبي.
ستعمل الاتفاقية الثانية على تأسيس عملية انتقالية ثابتة بحيث تحتفظ المملكة المتحدة بجميع مزايا عضوية الاتحاد الأوروبي ولكن أيضاً الالتزامات مثل المساهمة في ميزانية الاتحاد والسماح بحرية حركة الناس والالتزام بأحكام المحكمة الأوروبية، إن الاختلاف الجوهري هو أن المملكة المتحدة ستخسر صوتها على الطاولة وبالنسبة للبريطانيين في معسكر المؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي فإن مثل هذه العملية الانتقالية ستسمح للمملكة المتحدة بالبقاء في الاتحاد الأوروبي في كل شيء عدا الاسم، وبالنسبة لبعض البريطانيين في المعسكر المؤيد للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي فإن هذه طريقة للخروج من دون السقوط من حافة الهاوية.
إن الاتفاقية الثالثة في المرحلة الثانية ستتركز حول خارطة طريق للعلاقات البريطانية مع الاتحاد الأوروبي بعد سنة 2021، وهذا لا يعني وجود اتفاقية تجارة حرة، ولكن إعلان سياسي عن المستقبل المنشود لكلا الطرفين، والمرجح أن الصفقة الناتجة عن ذلك ستكون قائمة على تصور وجود ترتيبات تجارية مستقبلية مبنية على نموذج الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة بين كندا والاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى الاتفاقيات المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمن والإرهاب وتطبيق القانون.
ولكن هذا يثير المخاوف نفسها كما في المرحلة الأولى. لو لم تجد الحكومة البريطانية نفسها مضطرة لتفسير خطتها على المدى الطويل بالتفصيل فإن هذا يمكنها من المراوغة فيما يتعلق بكيفية تحقيق تقدم في هذا الخصوص.
وفي واقع الأمر عندما تبدأ العملية الانتقالية الثابتة فإن من المستحيل تجنب المحاسبة التي ستحصل بين الجماعات المختلفة ضمن مؤيدي ومعارضي الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي في البرلمان البريطاني وحتى لو كانت هناك خطة طويلة المدى تحظى بقبول البرلمانيين البريطانيين، فإن من غير المرجح أن تحظى تلك الخطة بقبول البرلمانيين والناخبين على الجانب الآخر من القنال.
وفي وقت تتصاعد فيه المشاعر المعادية للعولمة فإن من غير المرجح أن توافق الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على أي صفقه تجارية يمكن أن تؤثر سلباً على رفاهيتهم الاجتماعية والمالية، وبينما جميع اتفاقيات الاتحاد الأوروبي السابقة كانت تهدف لتحقيق التقارب بين الاتحاد الأوروبي وطرف ثالث فإن صفقة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا ستتجه إلى منع الاختلافات.
إن ميشيل برينر وهو كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي كان صريحاً فيما يتعلق بهذه النقطة، حيث قال إن السؤال الكبير هو ليس ما إذا كانت بريطانيا ستخرج من الاتحاد الأوروبي بل هو ما إذا كانت بريطانيا «ستلتزم بالنموذج الأوروبي» بالنسبة للقواعد والأنظمة.
لقد كان من السهل بالنسبة للسياسيين والنشطاء في أوروبا معارضة اتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي وهي صفقة كبيرة جداً تستهدف الدفاع عن المقاييس التجارية الغربية في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد، ولكن سيكون أسهل بكثير إطلاق حملات ضد أي صفقة مع المملكة المتحدة، وذلك نظراً لأن الشخصيات الرئيسية على جانبي الطيف السياسي البريطاني تشكل تهديداً للنموذج الأوروبي.
فعلى اليسار يبدو أن زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربين يريد العودة إلى الدعم والمساعدات الحكومية، كما كان عليه الحال في سبعينيات القرن الماضي، بينما على الجانب الآخر من الطيف السياسي في بريطانيا فإن أعضاء حزب المحافظين من أقصى اليمين يحلمون علناً بتأسيس نظام قائم على الضرائب المنخفضة والأحكام التنظيمية القليلة في بريطانيا، قائم على أساس نموذج سنغافورة.
للأسف، نظراً للجدول الزمني الخاص ببريكست فإن الفشل على الاتفاق على صفقة طويلة المدى يمكن أن يأتي بعد أن تتجاوز بريطانيا بالفعل نقطة اللاعودة. إن بريطانيا التي ستكون قد خرجت من الاتحاد الأوروبي بشكل رسمي وتخلت عن أي قدرة على المشاركة في اتخاذ القرارات في الاتحاد الأوروبي ستكون لا تزال خاضعة لقوانين الاتحاد الأوروبي وخيارها عندئذ سيكون إما الكارثة الاقتصادية ببريكست من دون صفقة أو الكارثة السياسية بعملية انتقالية لا تنتهي والتي ستترك بريطانيا من دون القدرة على التصويت بشأن قرارات الاتحاد الأوروبي وفي كلا الحالتين فإن بريطانيا لن تتمكن من استعادة السيطرة.
وهذا يرجعنا لجسر جونسون الذي لا يقود إلى أي شيء وهو التشبيه المجازي الصحيح لحركة بريكست، فعوضاً عن تصديق وعود جوفاء بمشاريع بناء خيالية، يتوجب على البرلمانيين البريطانيين أن يضغطوا باتجاه اتخاذ قرار واقعي يتعلق بعلاقة بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي في مرحلة ما بعد بريكست، وذلك قبل فوات الأوان.
* مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية
Ⅶمارك ليونارد*

