ما دامت العولمة بلا قيادة، وتفتقر إلى وجه إنساني، وتتقدم وكأنها قطار جامح خرج عن السيطرة، فسوف يستمر ازدهار الحركات المناصرة لفرض تدابير الحماية و«إعادة السيطرة».
للأسف الشديد، هناك أسباب وجيهة وراء تحول العولمة إلى كلمة قذرة في اعتقاد الملايين من البشر. كانت ركائز إجماع واشنطن الذي دام ثلاثين عاماً آخذة في الانهيار. ويتفق أغلب الناس الآن على أن التجارة الحرة في غياب التجارة العادلة تخلق الملايين من الخاسرين، بالإضافة إلى بعض الفائزين. وقد تعمل تدفقات رأس المال غير المنظمة، وخاصة تدفقات المضاربة القصيرة الأمد، على زعزعة استقرار الاقتصادات. كما أن أشكال التفاوت الاجتماعي المتزايدة الحِدة قد تكون ضارة بالنمو.
تعمل هذه المدركات على إحداث ثقوب في أصولية السوق الحرة ــ التي تركز على التحرير، وإلغاء القواعد التنظيمية، والخصخصة، وخفض الضرائب، وتقليص حجم الدولة ــ التي سادت في دوائر صنع السياسات على مدار العقود القليلة المنصرمة. وبعد مرور عشر سنوات منذ اندلعت الأزمة المالية العالمية، بات بوسعنا الآن أن نتقبل حقيقة مفادها أن الأفراد والشركات التي تعمل بما يحقق مصالحها الذاتية فحسب لا تخدم دائما مصالح جماهير الناس.
ومع ذلك، لم يظهر بعد نموذج اقتصادي جديد للعصر العالمي. وفي الفراغ الناجم عن هذا، اكتسبت تدابير الحماية، والشعبوية المناهضة للتجارة، والقومية المتعصبة ــ الكارهة للأجانب عادة ــ المزيد من الأرض، مدفوعة بالقلق الشديد إزاء الأجور الراكدة، والبطالة التكنولوجية، وتزايد حِدة الشعور بانعدام الأمان. ومن المؤكد أن أولئك الذين نُبِذوا بالعراء وتُرِكوا خلف ركب العولمة يبحثون بنشاط عن شيء ما وشخص ما يعبر بشكل واضح عن سخطهم ويحميهم من التغيير.
ولكن لا النزعة القومية ــ سواء تلك التي يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو غير ذلك من تجلياتها ــ ولا الأنظمة التي تتسم بالنسقية المفرطة أو التفصيل المفرط للحوكمة العالمية قادرة على تلبية احتياجات ورغبات الناس وتطلعهم إلى الرخاء، والأمان، والعدالة، وتقرير المصير. فالأولى تفشل في مواجهة حقائق العالَم حيث أصبح استقلالنا محدودا بفِعل اعتمادنا المتبادل؛ وتسبح الثانية ضد تيار قوي في الرأي العام لصالح المزيد من السيطرة المحلية.
إذا كان لنا أن ننجح في ترويض العولمة واحترام الهويات الوطنية، فيتعين علينا أن نعمل على إيجاد التوازن الصحيح بين الاستقلال الوطني الذي يرغب فيه أغلب المواطنين والاتفاقيات الدولية التي تحتاج إليها أغلب الدول بوضوح.
وتقترح قومية «أميركا أولا» التي أعلنها ترمب خفض الواردات، وتقييد الهجرة، وسحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، والمنظمات الدولية مثل اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة)، واتفاقيات التجارة الحرة. وفي بلد يستفيد بشكل كبير من دوره القيادي في سلاسل الإمداد العالمية، فإن هذه الاستراتيجية تتناقض تماماً مع الغرض منها.
ويبدو أن ترمب لا يعرف ــ أو ربما لا يريد أن يعرف ــ أن خفض الواردات يهدد بخفض الصادرات، لأن مليارات الدولارات من الصادرات الأميركية تعتمد على مكونات مستوردة. وهو ينسى أن ربحية العديد من الشركات الأميركية تعتمد على عمال آسيويين يستخدمون تكنولوجيا أميركية أكثر من اعتمادها على العمال الأميركيين الأكثر تكلفة الذي يستخدمون نفس أساليب الإنتاج. وسوف تقاوم هذه الشركات أي محاولة للحد من قدرتها على الوصول إلى سلاسل الإمداد العالمية.
أما البديل المتدرج الذي يُقَدَّم عادة ــ «القومية المسؤولة» ــ فهو في الأساس برنامج لتعويض الطبقات المتوسطة المضغوطة من خلال إعادة التدريب وإعانات دعم الأجور. ولكن حتى أنظمة الرفاهة الاجتماعية المعترف بسخائها لا تنتشل أكثر من ثلث الفقراء من براثن الفقر.
في الولايات المتحدة أصبحت أوجه التفاوت صارخة الآن إلى الحد الذي يجعل الخصم على ضريبة الدخل المكتسب لا يوفر سوى 2.5% من المبلغ المطلوب لإعادة توزيع الدخول بين أقل 80% دخلاً وأعلى 20% دخلاً إلى المستويات التي كانت عليها في ثمانينيات القرن العشرين.
وتشير حسابات وزير الخزانة الأميركي السابق لورانس سامرز إلى أن المنتمين إلى فئة أعلى 1% دخلاً لابد أن يدفعوا تريليون دولار إضافية في هيئة ضرائب (700 ألف دولار لكل منهم) سنويا لإغلاق الفجوة التي نشأت.
يكاد يكون من المؤكد أن التصدي لمستويات عالية من التفاوت يتطلب التعاون الدولي لإعادة المليارات من الملاذات الضريبية. وحتى إذا حدث ذلك، فسوف نظل في احتياج إلى التعامل مع الدول الآسيوية والأفريقية التي تنافس الغرب في ما يتصل بالأسعار، بسبب سباق إلى القاع في معايير العمل ــ وهو السبب الجذري لركود الأجور في الغرب.
وتفرض المعركة ضد التدهور البيئي نفس المشكلة: فمن غير الممكن تحقيق أي تقدم مستدام في مكافحة التلوث إذا فشلت الدول القومية في تحمل مسؤولياتها بجدية للحد من الانبعاثات من غاز ثاني أكسيد الكربون والتحول إلى الطاقة المتجددة. ولكن مع ذلك، في غياب العمل الدولي المنسق لإرغام ركاب المجان على الانتظام في الصف، سوف يعبر التلوث الحدود، وينتشر الضرر البيئي ويتضاعف.
وعلى هذا فإن الحلول على المستوى الوطني ليست بلا حدود. فلئن كان من المعقول أن نعارض النوع الخطأ من التعاون العالمي، فإن النوع الصحيح من التعاون الدولي يمثل أهمية بالغة لتحقيقي الرخاء الوطني في هذا العصر الذي يتسم بالترابط الفائق.
ومع استمرار قوى السوق في التوسع على حساب الحكومات، فإن السياسات التي يقتصر تركيزها على استغلال الدولة القومية ستخفق في التعامل ليس فقط مع التلوث والتفاوت بين الناس فحسب، بل وأيضا في التعامل مع اختلالات توازن الاقتصاد الكلي، وسياسات إفقار الجار وتأثيراتها الجانبية ــ وكل من هذا يفرض الآن مشكلة عابرة للحدود الوطنية وتتطلب استجابة دولية.
يتلخص إيجاد التوازن الصحيح بين الاستقلال والتعاون في الوضوح بشأن التمييز بين مفهوم القرن التاسع عشر ومفهوم القرن الحادي والعشرين في ما يتصل بسيادة الدولة. ففي الأول، تتسم السلطة بالمركزية، وتتحكم فيها دولة منفردة تُعَد غير قابلة للتجزئة؛ أما الثاني فيركز على الحكم الذاتي الشعبي، حيث يقرر المواطنون اختياراتهم الديمقراطية حول ما إذا كان من الواجب أن تظل السلطة محلية، أو وطنية، أو دولية.
وفي بعض المجالات، سوف يختارون حكومتهم الوطنية بوصفها صانع القرار الوحيد. وفي أخرى، ربما يختارون تقاسم سلطة اتخاذ القرار في التكتلات الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي أو المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة حلف شمال الأطلسي، التي توافق على تقاسم المسؤوليات والموارد والمخاطر.
الواقع أن إيجاد التوازن الصحيح يُعَد القضية غير المعلنة في صميم الحجة ليس فقط حول حدود ومدى التعاون العالمي، بل وأيضا وبشكل أكثر مباشرة، حول مستقبل العلاقة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
أما ردود الفعل الانعكاسية مثل الخروج البريطاني أو استراتيجيات النمط الأول في أميركا، والأطر المفرطة التعقيد للحكم فوق الوطني، فكلها غير كافية لتلبية حتميات العالَم الحديث المتمثلة في التعاون عبر الحدود ودعم مشاعر الفخر لدى الناس بهوياتهم الوطنية المتميزة. لن يتسنى إيجاد التوازن بين الاستقلال الوطني والتعاون عبر الوطني في الأرجح إلا على أساس التعامل مع كل قضية على حِدة، وسوف تتغير الحدود مع تحول الاقتصاد العالمي والرأي العام.
غوردون براون - رئيس وزراء المملكة المتحدة ووزير خزانتها سابقاً، ويشغل حالياً منصب مبعوث الأمم المتحدة الخاص لشؤون التعليم العالمي، كما يتولى رئاسة اللجنة الدولية لتمويل فرصة التعليم العالمي، ورئاسة المجلس الاستشاري لمؤسسة كاتاليست.

