من المتوقع أن تقرر وزارة الخزانة الأميركية في الشهر المقبل ما إذا كانت ستسعى إلى إلغاء عملية حل البنوك الضخمة الفاشلة التي تقودها الهيئة التنظيمية بموجب قانون دود-فرانك لعام 2010 والاستعاضة عنها بآلية قائمة على المحاكم فقط، وهذا التغيير سيكون خطأً ربما يُفضي إلى أزمة طاحنة.
صحيح أن إنشاء عملية إفلاس أكثر تبسيطاً من الممكن أن يقلل من مستوى الصخب الناجم عن فشل البنوك، وأن قضاة الإفلاس خبراء في مهام إعادة الهيكلة الكبرى. ولكن هناك عوامل بالغة الأهمية لا يمكن تجاهلها، إذ تتطلب عملية إعادة هيكلة البنوك الضخمة التخطيط المسبق، والتعرف على مواطن قوة البنوك ونقاط ضعفها، ومعرفة كيفية توقيت عملية الإفلاس على النحو اللائق في اقتصاد متقلب، والقدرة على التنسيق مع الهيئات التنظيمية الأجنبية.
والمحاكم غير قادرة على الوفاء بهذه المهام بمفردها، وخاصة في الوقت الذي خصصه الاقتراح قيد النظر ــ عطلة نهاية الأسبوع (48 ساعة). ونظراً لعدم قدرتها عن التخطيط مسبقاً، فسوف تدخل المحاكم في عملية إعادة الهيكلة دون أن تتعرف على البنك بالقدر الكافي. وعلاوة على ذلك، لا تستطيع المحاكم أن تدير ذلك النوع من الأزمات التي تؤثر على الاقتصاد بالكامل والتي قد تنشأ إذا فشلت عدة بنوك ضخمة في وقت واحد. ولا يمكنها التنسيق مع الهيئات التنظيمية الأجنبية.
باختصار، يتطلب استكمال عملية إعادة الهيكلة على النحو اللائق مساهمات من الهيئات التنظيمية، بما في ذلك التخطيط المسبق، والمشورة، والتنسيق. ومع ذلك، بعيداً عن قبول هذه المساهمات، تعمل الخطة إلى حد كبير على إقصاء الهيئات التنظيمية عن العملية، على سبيل المثال، تمنع العملية الهيئات التنظيمية من بدء عملية إفلاس البنوك الضخمة، وتترك الأمر لتقدير مديري البنوك. في القطاع غير المالي، تنتظر الشركات الفاشلة غالباً وقتاً أطول مما ينبغي قبل إعلان الإفلاس، ولهذا فربما يتدخل الدائنون لدفع الأمور بعض الشيء، بل وربما حتى يفرضوا قسراً الإفلاس على شركة فاشلة. ورغم أن الهيئات التنظيمية لديها أدوات تمكنها من دفع البنوك على نحو مماثل، فإن الأداة الأكثر فعالية تتلخص في القدرة على بدء عملية الإفلاس عندما يكون ذلك هو الأفضل للاقتصاد.
وانتزاع هذه الأداة من الهيئات التنظيمية من شأنه أن يؤدي إلى عواقب وخيمة. ذلك أن المسؤولين التنفيذيين في البنوك، مثلهم في ذلك كمثل المسؤولين في الشركات الصناعية الفاشلة، لديهم من الأسباب ما يدعوهم إلى «الصلاة والتأخير»، على أمل أن ينقذهم تطور جديد. ولكن إذا نفد المخزون النقدي لدى البنوك الضخمة الفاشلة خلال فترة التأخير هذه، فسوف ينشأ خطر يتمثل في إدارة عملية إفلاسها على نحو فوضوي ــ كما حدث مع ليمان براذرز في عام 2008 ــ فضلاً عن احتمال إلحاق الضرر الشديد بالاقتصاد الحقيقي.
الحقيقة البسيطة هي أن الهيئات التنظيمية الحكومية قادرة على القيام بأشياء لا تستطيع المحاكم القيام بها. فالمحاكم تفتقر إلى الموظفين والخبرات اللازمة لوضع خطة إنعاش على مستوى الاقتصاد بالكامل. وهي لا تستطيع فضلاً عن ذلك إقراض البنوك المتعثرة التي تفتقر إلى الأموال النقدية إلى أن تتمكن من النهوض بنفسها. أما الحكومة فهي قادرة على القيام بذلك، وبوسعها أن تضمن إما أن يسدد البنك القروض (من خلال الحصول على ضمانات جيدة) أو أن يغطي القطاع المالي ككل عملية السداد (وهذا مصرح به ومطلوب موجب قانون دود-فرانك).
عندما تشرف المحاكم على حالات الإفلاس غير المالية، فإنها تعتمد على المقرضين من القطاع الخاص لتوفير السيولة الطارئة. ولكن في الأزمات المالية، تعجز البنوك الضعيفة عن تقديم القروض، وهذا يعني أن الحكومة لا بد أن تتولى وظيفة الملاذ الأخير للإقراض. ولكي يتسنى لها أن تضطلع بهذا الدور على النحو اللائق، يتعين على الحكومة أن تشارك بعمق في عملية الإفلاس، حتى تتمكن من التدخل إذا لزم الأمر.
ولا يخلو الاقتراح الحالي، الذي أقره مجلس النواب الأميركي بالفعل، من عيوب أخرى كبرى. فبادئ ذي بدء، تعمل البنوك الأميركية الضخمة في مختلف أنحاء العالم، وتتواجد بكثرة عادة في لندن وغيرها من المراكز المالية.
وإذا قرر الدائنون والمودعون لدى فرع أجنبي تابع لبنك أميركي ضخم فاشل الفرار بالأموال النقدية التي يحتفظون بها هناك، أو إذا أغلقت هيئة تنظيمية أجنبية ذلك الفرع الأجنبي التابع، فسوف يجد البنك الأميركي نفسه في وضع بالغ السوء. ومع ذلك، لا يمكن للمحاكم أن تتفاوض على تفاهمات مع هيئات تنظيمية أجنبية. والهيئات التنظيمية الأميركية يمكنها التفاوض مع نظيراتها الأجنبية، ولكن فقط إذا كان بوسعها أن تتحكم في توقيت الإفلاس، وأن تشارك في العملية.
من المؤكد أن مشروع قانون الإفلاس المعمول به الآن مفيد. ولكنه ليس قوياً. فهو لن يسمح بعمليات إفلاس كاملة وواسعة النطاق، حيث يتم إغلاق العمليات الفاشلة تحت رعاية المحكمة، وتُباع العمليات القابلة للاستمرار، وتُعاد هيكلة الديون على دفاتر الميزانية العمومية للشركة. أما الاقتراح الحالي فهو يتصور عملية إعادة هيكلة محدودة النطاق خلال نهاية الأسبوع، وهو ما يتطلب وضع هيكل محدد دقيق للقروض قبل الأوان بسنوات. ويجري إغلاق البنك في مساء الجمعة، متحرراً من عبء ديون متبخرة محددة الموضع مسبقاً على مدار نهاية الأسبوع، ثم يُعاد فتحه صباح يوم الاثنين، دون حاجة إلى عملية إنقاذ حكومية (في أفضل السيناريوهات).
إذا نجح، فإن هذا النوع من عملية الإفلاس السريع يُصبِح عظيم القيمة. ولكنه لم يُجَرَّب من قَبل قَط. ولكي يحظى بأي فرصة لإعادة فتحه في صباح يوم الاثنين، فلا بد من إعادة هيكلة مليارات الدولارات من الديون الطويلة الأجل المستحقة على البنك المفلس بالفعل، وعلى النحو الذي يسمح لمحكمة الإفلاس بإزالتها خلال عطلة نهاية الأسبوع، لكن قضاة الإفلاس لن يكونوا على عِلم مسبق بديون البنك، وسوف يحتاجون إلى أكثر من عطلة نهاية أسبوع واحدة لتحديد ما إذا كان في الإمكان تجريد الدين على النحو اللائق. ومن ناحية أخرى، تستطيع الهيئات التنظيمية الحكومية أن تفعل هذا مقدماً. ومع ذلك، يقضي الاقتراح الحالي بتحجيم وسائلها الرسمية للقيام بذلك بشكل حاد.
الواقع أن الإفلاس، في حال نجاحه، وسيلة جيدة لإعادة هيكلة أو تقليص شركة فاشلة. ولكن إذا لم يتمكن بنك ضخم فاشل من فتح أبوابه صباح يوم الاثنين، فسوف يحتاج النظام المالي إلى الدعم. وبموجب الاقتراح الحالي، فإن غياب شبكة الأمان التنظيمية قد يُسفِر، إذا فشلت عملية إعادة الهيكلة خلال نهاية الأسبوع، عن فوضى عالمية يشارك فيها الجميع، تماماً كما حدث في أعقاب إفلاس ليمان براذرز في عام 2008.
إن الحفاظ على الاستقرار المالي في الأزمات أمر بالغ الأهمية، ولا ينبغي لنا أن نعلق آمالنا على قناة الإفلاس الضيقة. وبوسع المحاكم أن تساعد، وخاصة بعد أن طورت عملية روتينية لإعادة هيكلة البنوك، كما فعلت مع إعادة هيكلة شركات الطيران. ولكن ينبغي لنا أن نتوخى الحذر في الاعتماد على قيام المحاكم بأمور لم يُطلَب منها القيام بها من قَبل قَط.
لقد صوت مجلس النواب بالفعل، وبسرعة، لصالح الاستعاضة عن نظام إعادة الهيكلة الذي تقوده الهيئات التنظيمية بترتيب أضعف تقوم المحاكم على تنفيذه. ولا نملك الآن غير الأمل في أن تكون الغَلَبة للعقول الأكثر حكمة في وزارة الخزانة.
وقع 120 أكاديمياً من ذوي الخبرة في الإفلاس، أو التنظيم المصرفي، أو التمويل، أو الثلاثة معاً، على رسالة إلى الكونغرس تنتهي إلى استنتاج مماثل.
* أستاذ في كلية الحقوق في جامعة هارفارد

