بعد إقرار اتفاقية نافتا في عام 1994، تنامت التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك نمواً سريعاً، وتحول الميزان التجاري الأميركي للبضائع مع المكسيك من فائض صغير إلى عجز وصل إلى ذروته في سنة 2007 بمبلغ 74 مليار دولار أميركي، ويقدر بنحو 60 مليار دولار أميركي في عام 2016، ولكن حتى مع نمو العجز التجاري الأميركي مع المكسيك بالقيمة الاسمية، انخفض نسبياً مقارنة بإجمالي التجارة الأميركية وكنسبة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة (من ذروة قدرها 1.2% في عام 1986 إلى أقل من 0.2% في عام 2015).
ولكن ربما هناك ما هو أهم من ذلك، ألا وهو أن الولايات المتحدة والمكسيك لا تتبادلان مجرد السلع التامة الصنع فحسب، ولكن أغلب التجارة الثنائية بينهما يحدث داخل سلاسل التوريد، لأن الشركات في كل دولة تضيف قيمة في نقاط معينة من عملية الإنتاج والولايات المتحدة والمكسيك، ولا تتبادلان البضائع فحسب، ولكنهما تنتجان البضائع بعضهما مع بعض.
وفي عام 2014، استوردت المكسيك بمبلغ 136 مليار دولار أميركي بضائع وسيطة من الولايات المتحدة، واستوردت الولايات المتحدة بقيمة 132 مليار دولار أميركي من البضائع الوسيطة من المكسيك، وأكثر من ثلثي الواردات الأميركية من المكسيك كانت مدخلات مستخدمة في المزيد من المعالجات، وهذه المدخلات الفعالة من حيث التكلفة تعزز الإنتاج والتوظيف في الولايات المتحدة، وتعزز القدرة التنافسية للشركات الأميركية في الأسواق العالمية، وغالباً ما تتحرك السلع عبر الحدود الأميركية المكسيكية مرات عدة، قبل أن تكون جاهزة للبيع النهائي في المكسيك والولايات المتحدة أو في أي مكان آخر.
وعندما تحدث تدفقات التجارة عبر الحدود إلى حد كبير ضمن سلاسل التوريد، فإن إحصاءات التصدير والاستيراد التقليدية تكون مضللة، وتلخص صناعة السيارات الموقف، فالسيارات هي أكبر الصادرات من المكسيك إلى الولايات المتحدة، بل إنها كبيرة جداً في الواقع، بحيث إنه إذا تم استبعاد التجارة في هذا القطاع، فإن العجز التجاري الأميركي مع المكسيك سوف يختفي.
ولكن الأرقام التجارية القياسية تعزو إلى المكسيك القيمة الكاملة للسيارة المصدرة إلى الولايات المتحدة، حتى عندما تشمل تلك القيمة المكونات المنتجة في الولايات المتحدة والمصدرة إلى المكسيك. ووفقاً لتقديرات حديثة، فإن 40% من القيمة المضافة إلى السلع النهائية التي تستوردها الولايات المتحدة من المكسيك تأتي من الولايات المتحدة، كما تساهم المكسيك بنسبة 30-40% من تلك القيمة؛ والباقي يوفره الموردون الأجانب.
وعندما يؤخذ توزيع القيمة المضافة في الاعتبار، يتغير الميزان التجاري بين الولايات المتحدة والمكسيك تغيراً جذرياً، ووفقاً لحسابات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة التجارة العالمية، فإن العجز التجاري في الولايات المتحدة من حيث القيمة المضافة مع المكسيك في عام 2009 لم يكن سوى نصف حجم العجز التجاري الذي يقاس بالأساليب التقليدية.
يدعي الرئيس الاميركي دونالد ترامب أن التعريفات الجمركية المرتفعة على الواردات من المكسيك ستشجع الشركات الأميركية على الحفاظ على الإنتاج والوظائف في الولايات المتحدة، ولكن هذه التعريفات الجمركية، ناهيك عن ضريبة الحدود المعدلة التي يفكر فيها الكونغرس، ستعطل سلاسل التوريد عبر الحدود، مما يقلل من الصادرات الأميركية من المنتجات الوسيطة إلى المكسيك والصادرات المكسيكية - التي تحتوي على قيمة مضافة كبيرة من الولايات المتحدة - إلى الولايات المتحدة والأسواق الأخرى.
وهذا من شأنه أن يرفع أسعار المنتجات التي تعتمد على المدخلات من المكسيك، مما يقوض تنافسية الشركات الأميركية، وحتى لو تمت إعادة تشكيل سلاسل التوريد في نهاية المطاف، سوف تتكبد الولايات المتحدة والمكسيك تكاليف أكبر في الإنتاج والتوظيف أثناء الفترة الانتقالية.وتدعم الواردات من المكسيك الوظائف الأميركية بثلاث طرائق: بإنشاء سوق للصادرات الأميركية، وذلك بتوفير المدخلات ذات الأسعار التنافسية للإنتاج الأميركي، وبخفض أسعار البضائع للمستهلكين الأميركيين، الذين بإمكانهم وقتها إنفاق المزيد على المنتجات والخدمات المنتجة في الولايات المتحدة، وتقدر دراسة حديثة أن نحو خمسة ملايين وظيفة في الولايات المتحدة تعتمد في الوقت الحالي على التجارة مع المكسيك.
بالنظر إلى كل هذا، فمن الأخبار الجيدة أن الرئيس ترامب قد خفض حدة التهديدات بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية نافتا، وفرض رسوم جمركية كبيرة من جانب واحد على الصادرات المكسيكية (وموقفه حول ضريبة الحدود المعدلة غير واضح).
وبدلاً من ذلك، دعا المسؤولون التجاريون في إدارته في مشروع اقتراح مطروح أمام الكونغرس للمرونة ضمن اتفاقية نافتا، لإعادة فرض الرسوم الجمركية كآليات «حماية» مؤقتة لحماية الصناعات الأميركية من زيادة الواردات.وترغب الادارة الاميركية كذلك في تقوية قواعد المنشأ بموجب اتفاقية نافتا، ومثال على ذلك أن القواعد الحالية تفرض أن 62,5% فقط من محتوى السيارة لا بد أن ينشأ من دولة من الدول المنضمة إلى اتفاقية نافتا، لتكون مؤهلة للحصول على الإعفاء من الرسوم الجمركية، وهذا جعل المكسيك مكاناً جذاباً لتجميع المحتوى المصنع في آسيا، ليصبح بضائع مصنعة نهائياً لبيعها في الولايات المتحدة أو كندا.
وإذا نجحت إدارة ترامب في زيادة حصة المحتوى التي ينبغي أن يجري إنتاجها في الدول المنضمة إلى اتفاقية نافتا لتتأهل للإعفاء من الرسوم الجمركية، فإن كلاً من الولايات المتحدة والمكسيك يمكن أن «يسترد» أجزاء من سلسلة توريد التصنيع التي ذهبت إلى الموردين الأجانب، ويمكن كذلك أن تعزز قواعد أكثر صرامة تتصل بالمنشأ الاستثمار من جانب هؤلاء الموردين في الإنتاج والتوظيف في كل من المكسيك والولايات المتحدة.
مشروع الخطة التي سلمتها إدارة ترامب لإعادة التفاوض بشأن نافتا يضع كذلك الأهداف لمعايير عمالية وبيئية أكثر قوة، وهي أولويات مهمة للديمقراطيين في الكونغرس الذين يتشاركون في معارضة الرئيس للاتفاقية الحالية، ويمكن للمعايير القوية أن تجلب الفوائد لجميع الشركاء في اتفاقية نافتا، ولكن مع الإدارة الاميركية ، فالامر يعدو ضربا من الخيال ، وأن نتخيل أن تقود الولايات المتحدة جهوداً لتقويتها ضمن اتفاقية نافتا بأي طريقة ذات معنى، وربما تأخذ كندا زمام المبادرة.
ولقد بدأت الشكوك التي تدور حول مصير اتفاقية نافتا تضرب الاقتصاد المكسيكي، كما أضعفت كذلك موقف الرئيس الإصلاحي والمؤيد للأسواق إنريكي بينيا نيتو، وذلك قبل سنة من الانتخابات العامة في المكسيك، وهذا قد يساعد على صعود نجم الشعبويين من اليمين الذين قد يركبون موجة القومية المعادية لترامب.
إن من الواضح أن وجود اقتصاد قوي ومستقر في المكسيك بقيادة حكومة ملتزمة بالعمل مع الولايات المتحدة يحقق مصالح أميركا، ومن النصائح المفيدة التي على ترامب أن يتعلمها أن يعمل على وجه السرعة لضمان أن طلبه إعادة التفاوض على اتفاقية نافتا سيؤدي إلى هذه النتيجة.
* أستاذة في كلية هاس للأعمال بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وكبيرة المستشارين في مجموعة روك كريك

