وفقًا لما هو متعارف عليه في وادي السيليكون، ستقضي الروبوتات على وظائف الجميع، وسيصبح الراتب الأساسي للجميع أمرًا ضروريًا، ولقد كانت الشركات الكبيرة متحمسة في الآونة الأخيرة للمبالغة في الإشادة بنتائج مشروع الراتب الأساسي للجميع في كينيا والذي يموله إلى حد كبير أصحاب الأعمال الخيرية في وادي السيليكون، وبينما عادة ما تنشأ فكرة الراتب الأساسي للجميع خلال فترات الضغط الاجتماعي والاقتصادي يعد هذا أول اختبار حقيقي لها.
ويوفر مشروع كينيا دخلاً مضموناً ينهي الفقر لأولئك الذين يتلقوه حيث يوجد هناك ستة آلاف من الأشخاص البالغين في أربعين قرية فقيرة نائية يحصلون الآن على 75 سنتاً (نعم سنت) في اليوم أو 22 دولاراً في الشهر لمدة 12 سنة.
ونأمل أن تنجح التجربة في كينيا وتظهر المساعدات النقدية المقدمة تقدمًا ملموسًا للقضاء على الفقر المدقع في الدول النامية لكن لضمان فعالية هذه المساعدات يجب أن تقدم مباشرةً لهؤلاء الذين في حاجة إليها لفترات طويلة من الوقت وبقدر كافٍ وفي البلدان الفقيرة النامية يمكن للراتب الأساسي للجميع أن يستبدل برامج المعونات الباهظة التي تفشل في مواجهة احتياجات السكان المستهدفين والتي غالبًا ما تقوضها الأنظمة الفاسدة.
لكن يجب على شركات وادي السيليكون الكبرى أن تكبح حماستها فمشروع الراتب الأساسي للجميع في كينيا يعتمد على م-بيسا وهو نظام بنكي ربحي يعتمد على الهاتف النقال وتم إنشاؤه بدعم من المساعدات الأجنبية والشركات الخاصة والحكومات ذات الرؤية التطلعية وليس ذوو النوايا الحسنة من فاعلي الخير، وحتى لو نجح مشروع الراتب الأساسي للجميع في كينيا على مدار الإثني عشر عامًا المقبلة فهو لا يقدم حلاً لمشكلات الاقتصاد الأميركي الملحة اليوم ويعد مشروع الراتب الأساسي للجميع بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية فكرة خيالية.
والأسوأ من ذلك كله أن مقترحات الراتب الأساسي للجميع تصرف الانتباه بشكل خادع عن المشكلات الراهنة مثل الفقر المستشري وخاصة بين الأطفال والأقليات العرقية، والأجور والدخول الثابتة (التي تعدل في ضوء نسبة التضخم) لمعظم العائلات وزيادة انعدام المساواة في الدخل وانخفاض الحراك الاجتماعي وعدم المساواة في الحصول على فرص التعليم وعدم ثبات الدخول المصاحب لعدم ثبات العمالة.
ولم تقلل التكنولوجيا بعد من العدد الإجمالي للوظائف في الولايات المتحدة بشكل كبير، لكنها بالتأكيد أدت إلى تقويض نوعية الوظائف وجودتها لملايين العاملين حيث تقضي التقنيات الحديثة على الوظائف اليدوية الروتينية ذات المهارات الإدراكية المتوسطة وتزيد من تفاقم انعدام المساواة في الدخل وهي أكبر مصدر لإجمالي انعدام المساواة في الدخل لكن هل تعد هذه السلسلة من المشكلات مبررًا لمنح كل عامل أميركي دخلاً أساسياً بما في ذلك نجوم وادي السيليكون الذين تعززت مهاراتهم ودخولهم بسبب التغير التقني المنحاز للمهارات والذي يوفر العمالة ؟
وحتى لو كان الراتب الأساسي لكل فرد أميركي بالغ هدفاً مرغوباً فلا توجد خطة فعلية لتمويله. في كينيا ربما توفير 22 دولاراً شهريًا يقضي تمامًا على الفقر لكنه مجرد مبلغ تافه بالنسبة للولايات المتحدة حيث بلغ خط الفقر الرسمي للشخص البالغ في عام 2016، 12.700 دولار سنويًا.
وتوفير 10.000 دولار سنويًا لكل فرد أميركي بالغ سيتكلف أكثر من 3 تريليونات دولار، أي استهلاك أكثر من ثلاثة أرباع الميزانية الفيدرالية السنوية وهذا يتطلب تاريخيا فرض ضرائب عالية ومع ذلك فقلما نسمع أن مؤيدي الراتب الأساسي للجميع من الأثرياء يطالبون بزيادة ضرائبهم ومن الأرجح أن يؤيدوا تقليل نفقات الرعاية الاجتماعية مثل الضمان الاجتماعي والبرامج الأخرى التي ينتفع منها خمس السكان من الطبقة الدنيا بمن فيهم الأطفال، وبينما ننتظر نتائج تجربة الراتب الأساسي للجميع في كينيا ونتوقع تدمير الروبوتات الذكية للوظائف في المستقبل، نحتاج إلى تحديث وتقوية البرامج الحالية التي تستهدف التحديات إلني يواجهها العمال اليوم.
ستكون هناك حاجة أيضًا إلى برامج المساعدات الانتقالية التي تساعد العمال وعائلاتهم في مواجهة اختلال نظام التوظيف والدخول. في وادي السيليكون يحمل لفظ «اختلال نظام» تغييراً إيجابياً لكنه في الواقع يسبب ألماً بالغاً لهؤلاء الذين قلبت التكنولوجيا سبل كسب عيشهم رأسًا على عقب.
والبرامج الحالية في الولايات المتحدة مثل برنامج المساعدات الطبية وتعويضات البطالة وبرنامج المعونة الغذائية التكميلية المشار إليه باختصار «سناب» وبرنامج المساعدات المؤقتة للعائلات الفقيرة المشار إليه باختصار «تانف» يجب أن تكون أكثر سخاء.
الأميركيون في حاجة أيضًا إلى زيادة الحد الأدنى من الأجور الفيدرالية. لو كان الحد الأدنى من الأجور متوافقاً مع تزايد الإنتاج كان ليصبح اليوم 19 دولاراً في الساعة تقريبا بدلًا من 7.25 دولارات. وأكثر من نصف العمال الذين يتقاضون الحد الأدنى من الأجور نساء والعديد منهن يعتمدن على البقشيش في الجزء الأكبر من دخلهم ، وأغلبية الأميركيين يؤيدون زيادة الحد الأدنى للأجور وكذلك سبعة من الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد حيث نأمل أن يحذو حذوهم دعاة الراتب الأساسي للجميع في وادي السيليكون.
وفي النهاية فعلى أميركا أن تشرع في تطوير ما يكمل الدخل قائم على أساس الوسائل وذلك من أجل العمال الذين حل العمل الآلي محل وظائفهم أو قام بتقليل أجورهم ولتحقيق تلك الغاية يجب أن تستبدل إعفاءات ضريبة الدخل بضريبة دخل عكسية سخية وهي فكرة اقترحها ميلتون فريدمان منذ عدة عقود عندما الربوتات كانت لاتزال من أساسيات الخيال العلمي.
بخلاف الراتب الأساسي للجميع فإن ضريبة الدخل العكسية التي تقدم دافعاً قوياً للعمل بمقدورها أن ترفع الأجور بعد الضريبة لملايين من أصحاب الوظائف ذات الرواتب المنخفضة والعديد من هذه الوظائف هي وظائف «رعاية من لا يستطيع رعاية نفسه» ووظائف متعلقة بخدمات شخصية أخرى وهي من المتوقع أن تكون من ضمن الوظائف الأسرع نموًا في العقد القادم والتي من غير المرجح أن تقوم الروبوتات باستبدالها، وكما يقول تيدي روزفلت فإن أكبر جائزة تمنحها الحياة هي اغتنام فرصة القيام بعمل يستحق بذل الجهد وتركيز السياسة اليوم يجب أن ينصب على عمل يستحق القيام به ويوفر أجراً معيشياً مقبولاً وليس على خطط ساذجة لمستقبل ما بعد العمل.
* رئيسة سابقة لمجلس الرئيس الأميركي للمستشارين الاقتصاديين وهي أستاذ في كلية هاس لإدارة الأعمال في جامعة كالفورنيا، بيركلي وكبير المستشارين في مجموعة كريك
** زميل متميز في معهد بريزيدو وهو مدير سابق في شركة ماكنز


