وضع عددٌ من الدول العربيّة رؤى واستراتيجيّات للنهوض بالابتكار innovation. وأتى هذا ضمن تحوّلٍ بدأ منذ الستينيات بالاهتمام بنقل التكنولوجيا وبالسياسات الصناعيّة، انتقل مع بروز تكنولوحيّات المعلومات والاتصالات ومع العولمة إلى التركيز على استهداف الوصول إلى «اقتصاد ومجتمع المعرفة». والفرق بين هذين التوجّهين يكمُن بالضبط فيما يُمكن أن تقوم البلدان بإنتاجه في أراضيها في عالمٍ تتسارع فيه التحوّلات التقنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة بعيداً عن «لعنة الريوع والموارد الطبيعيّة».
لا يخصّ هذا الانتقال بالاهتمامات البلدان العربيّة وحدها. فبعد أن نصّت غاية جزئيّة من أهداف الألفيّة للتنميّة على «التعاون مع القطاع الخاص لإتاحة فوائد التكنولوجيّات الجديدة، وبخاصة تكنولوحيّات المعلومات والاتصالات» (إتاحة فقط!، الغاية واو الأخيرة ضمن الهدف 8: إقامة شراكة عالميّة للتنمية) صعد «الابتكار» إلى مستوى هدف أساسيّ بين أهداف التنمية المستدامة وأجندة 2030، وهو الهدف 9، الذي ينصّ على «إقامة بنى تحتيّة قادرة على الصمود، وتحفيز التصنيع الشامل للجميع والمستدام، وتشجيع الابتكار». مُعيداً بالتالي الربط بين التكنولوجيا وبين السياسات الصناعية والبنى العامّة التحتيّة.
الرؤى العربيّة للابتكار تمّ تصميمها وإقرارها في أغلب الأحيان على أعلى مستوى سياسيّ كي تتحفّز السلطات التنفيذيّة على الشروع بسياسات تحرّك «منظومة الابتكار الوطنيّة» نحو إنتاج الابتكار. وفعلاً نتج عن هذه الرؤى استراتيجيّات وسياسات، وتمّ خلق تعاون مع منظّمات دوليّة مثل مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD واليونسكو والإسكوا للنهوض بها. هذا في ظلّ قيام مؤسّسات بحثيّة بإصدار «مؤّشر عالميّ للابتكار GII» يعتمد على عدّة ركائز pillars يتابع تطوّر الدول في هذا المجال ويقارن بينها. حتّى إنّ بعض الدول العربيّة قد اعتمدت هذه المؤشّرات ذاتها أساساً لأهدافها الاستراتيجيّة، إنّها تريد الوصول إلى مرتبة كذا المتقدّمة في المؤشّر كذا في الركيزة كذا.
واليوم يُمكن مقاربة مراتب و«علامات» كثير من الدول العربيّة في «المؤشّر العالمي للابتكار GII» ومتابعة نتائج الرؤى والسياسات عبرها. وهنا تشير المقارنة إلى أنّ الدول العربيّة المتوسطة الدخل تندرج ضمن وسطيّ الدول العالميّة المماثلة لها في الدخل الفرديّ، في حين أنّ الدول الضعيفة الدخل كما العالية الداخلة أضعف بكثير من مثيلاتها العالميّة. أضف أنّه تمّ قياس تراجعاً في مؤشّر الابتكار في معظم الدول العربيّة بين 2011 و2016، عدا المغرب والجزائر.
وعند التمحيص يظهر أنّ مصادر الضعف والتراجع لا تكمُن في البنى التحتيّة، مثلاً في الولوج إلى تكنولوجيّات المعلومات والاتصالات، وإنّما في أمورٍ أُخرى كثيرة أهمّها المحرّك الأساسي للابتكار، وهو الترابط بين الجامعات ومراكز البحوث والقطاع الإنتاجيّ، أي ما كان موضع الاهتمام الأوليّ وهو نقل وتوطين التكنولوجيا وابتكارها وتسجيل براءات اختراعها ونشرها كمنتجات.
ورثت بعض الدول العربيّة مؤسسات بحثيّة أنشئت في عهودٍ سابقة ارتبطت مع تركيز الإنتاج الصناعي في القطاع العام. إلاّ أنّ اقتصادات هذه الدول تحوّلت وتقلّص دور القطاع العام، في حين لم تتطوّر العلاقة بين مراكز الأبحاث العامّة والقطاع الإنتاجيّ الخاصّ بشكلٍ نوعيّ كي تدفع بالابتكار قدماً. وحتّى الجامعات ومراكز البحوث العامّة الحديثة العهد فقد بقيت بعيدة نوعاً ما عن القطاع الإنتاجي، لغياب سياسات صناعيّة واضحة في الأساس وأيضاً لغياب التحفيز من السلطات الحكومية الذي يستهدف النهوض بمزايا تنافسيّة محليّة في مجالات بعينها. من ناحية أخرى، ارتبط معظم القطاع الإنتاجي الحديث في البلدان العربيّة بشركات متعدّدة الجنسيّات، لا تجري بحوثها وتطويرها إلاّ في الأماكن التي تجلب لها «ريوع» ابتكاراتها. كذلك يصبّ أغلب الجهد العربي فيما يخصّ الابتكار على الشركات الصغيرة والمتوسّطة في التقانات الرفيعة، أحياناً عبر حاضنات أعمال، دون اهتمامٍ كبير بالشركات الكبرى، خاصّة المتعدّدة الجنسيات منها، لحثّها على الإنفاق على الابتكار ضمن استثماراتها.
بالتالي بقي مجمل الإنفاق العام والخاص على الابتكار ضعيفاً في البلدان العربيّة. حيث لا تصل نسبته عادةً إلى 0.5% من الناتج المحلّي الإجمالي، ولا تتخطّى في أفضل الأحوال 0.7%.
في حين يصل مجمل هذا الإنفاق إلى أكثر من 2% في معظم الدول التي وضعت الابتكار أساساً لتقدّمها وتنافسيّتها، ما هو جوهريّ في العالم الحديث، وحتّى أكثر من 4% في كوريا الجنوبيّة ولدى الغريم الإسرائيليّ. اللافت أيضاً أنّ التمويل الخارجيّ للابتكار ضئيل جداً، وأنّ نسبة التمويل من القطاع الخاصّ المحلّي هي نحو الربع فقط (8% فقط في مصر)، في حين أنّ حساب هذا التمويل يتضمّن تحسين آليّات الإنتاج والتسويق ضمن الشركات، حتّى إنّ تقارير المنظّمات الدوليّة تشير إلى أنّ سياسات الابتكار ما زالت تحتاج إلى أن تنفّذ في البلدان العربيّة، وأن تتحرّر من التأثيرات غير المبرّرة للمصالح الخاصّة الضيّقة، بما فيها ريوع التكنولوجيا!
لكنّ قضيّة الابتكار ليست قضيّة تكنولوجيّات حديثة فقط، بل هي حقّاً قضيّة سياسات استثماريّة للإنتاج، حيث من الواضح أنّ نسب تكوين رأس المال الثابت الإنتاجي والحكومي من الناتج المحلي الإجمالي تبقى ضعيفة في البلدان العربيّة، مقارنة بنسب الاستهلاك، لا تمكّن من النهوض بتنمية مستدامة.
كما أنّ قضيّة الابتكار مرتبطة بقضايا العمل وعلاقاته، إذ إنّ هناك جدلاً عالميّاً أساسيّاً يغيب عن الرؤى والاستراتيجيّات والنقاشات حول الابتكار والتكنولوجيا في البلدان العربيّة: هل تجلب التكنولوجيا حُكماً التقدّم والمعرفة والتنمية وفرص التشغيل أم أنّ الأمور أعقد من ذلك؟
فقد تمّت ملاحظة الطبيعة «التخريبيّة» للتكنولوجيات الحديثة حتّى في الدول المتقدّمة، حيث يتمّ إلغاء الكثير من فرص العمل وتغيير علاقات العمل جذريّاً، ويتمّ دفع الكثيرين نحو العمل غير المهيكل، أي غير المحمي لجهة الضمان الصحيّ ومعاشات التقاعد، محمّلة المشتغلين معظم مخاطر تغيّرات السوق (مثال ذلك شركة أوبر مقابل سائقي التكسي). والأمور أقسى من ذلك بكثير في الدول النامية حيث انتشرت التكنولوجيا بشكلٍ واسع حتّى لدى الفئات الأكثر تهميشاً وأحدث شرخاً بين فئات المشتغلين والمجتمع. بالتالي، ما زالت قضيّة الابتكار كقضيّة تنمية اجتماعيّة واقتصاديّة قائمة في البلدان العربيّة تنتظر سياسات وحلول.
* رئيس تحرير النشرة العربية من «لوموند ديبلوماتيك» سابقاً ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب

