هناك شعور متزايد من القلق عبر أميركا اللاتينية، مما يذكرنا برثاء مايكل كورليوني في العراب الثالث: «فقط عندما ظننت أنني خرجت، أرجعوني مرة أخرى». وفي الوقت الذي بدأت تعرف فيه المنطقة انتعاشاً اقتصادياً، أدت المتغيرات في الآونة الأخيرة إلى زرع شكوك ومخاوف جديدة حول مستقبل التجارة والمال في أميركا اللاتينية.

ومن المتوقع أن تخرج أميركا اللاتينية هذا العام من حالة الركود التي بدأت في عام 2015؛ ولكن لا يزال النمو هزيلاً للعام الرابع أو السادس على التوالي، إذا أخذنا بعين الاعتبار التباطؤ الذي كان واضحاً بالفعل خلال عامي 2012 و2013. وأثرت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول مواضيع تتراوح بين التعريفات وبناء الجدار الحدودي على الاستثمارات في المكسيك سلباً، وأدت إلى هبوط عُملة البيزو.

وسوف تُعيق العوامل الداخلية أيضاً النمو في أميركا اللاتينية. وتُعتبر الأزمات السياسية والاقتصادية الجارية في فنزويلا أحسن مثال، ولكن ليس البلد الوحيد. وإذا انتهت أزمات البرازيل في عام 2016، فلم يتم وضع الاقتصاد حتى الآن على سكة الانتعاش القوي للخروج من أسوأ ركود له على الإطلاق. الأرجنتين، من جانبها، لا تزال تواجه تحديات لرفع معدلات التضخم والعجز المالي. وتعاني الإكوادور بسبب انخفاض عائدات النفط واستخدام الدولار في المنطقة، حيث خفضت معظم البلدان عملاتها بالفعل.

وتبقى الشيلي وكولومبيا وأوروغواي على مسار بطيء في النمو أيضاً. ومن بين الاقتصادات الكبيرة والمتوسطة الحجم في المنطقة، يبدو أن البيرو وحدها تتعافى - ولكن بمعدل أبطأ بكثير مما كانت عليه سابقا. وعموما البلدان الوحيدة التي تُبدي مقاومة هذا الاتجاه السلبي هي بلدان ذات الاقتصادات الصغيرة من جنوب أميركا (وهي بوليفيا وباراغواي)، وأميركا الوسطى، وجمهورية الدومينيك.

والخبر السار هو أن الطلب على صادرات أميركا اللاتينية في تحسن. ومن المتوقع أن ينتعش اقتصاد الولايات المتحدة وأن يتعافى اقتصاد الاتحاد الأوروبي، وهناك مخاوف اقتصادية أقل في الصين بالمقارنة مع العام الماضي. ويبدو أن أسعار السلع الأساسية قد تنتعش في عام 2016، ولقد تعافت تدفقات التحويلات، وهي يتجاوز الآن مستويات 2008-2007.

ومع ذلك، تظل مزايا هذين الاتجاهين الأخيرين محدودة. وإذا حكمنا من خلال الديناميات التاريخية، فإن أسعار السلع الأساسية توجد في بداية فترة ضعيفة وطويلة، في حين أن فرص الهجرة في الولايات المتحدة وإسبانيا اختفت بعد الأزمة المالية لعام 2008 - وربما ستصبح أكثر ندرة في عهد ترامب.

على أميركا اللاتينية أيضاً التعامل مع الاتجاهات السلبية الرئيسية في التجارة والتمويل الدوليين. وفقا لمكتب هولندا لتحليل السياسات الاقتصادية، نما حجم التجارة العالمية بأقل من 2 ٪ منذ عام 2007. وهذا النمو هو الأكثر فتورا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث ارتفع حجم توسع التجارة بمعدل أبطأ من الإنتاج العالمي للمرة الأولى في الفترة ما بعد الحرب.

ويشكل نمو التجارة البطيء خطراً كبيراً على بلدان أميركا اللاتينية، حيث تُعتبر زيادة وتنويع الصادرات شرطاً أساسياً لانتعاش اقتصاداتها. وأضحت حمائية الولايات المتحدة - أو حتى بداية حروب تجارية - الآن محتملة بالفعل. وقد يعني هذا التهديد ليس فقط الصين، ولكن أيضا المكسيك، حيث الشركات خفضت بالفعل استثماراتها أو ألغت خططاً لتوسيع الإنتاج لخدمة السوق الأميركية. (في وقت ناقش ترامب في الأسبوع الأول من تنصيبه رئيسا لأميركا، كما وعد خلال حملته الانتخابية ) بإعادة التفاوض حول اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، فيمكن أن يكون لذلك تأثير في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، لأن العديد من اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية الأخرى بين دول المنطقة والولايات المتحدة هي في الأساس نتاج النافتا.

وسيكون الحفاظ على الحصول على التمويل بأسعار معقولة تحدياً رئيسياً ثانياً لبلدان أميركا اللاتينية. في السنوات الأخيرة، استفادت المنطقة من التمويل بوفرة، وحصلت عليه حتى مع انخفاض أسعار السلع الأساسية، والاضطرابات المالية في الصين في عام 2015 وأوائل سنة 2016، ومع التطبيع الوشيك لأسعار الفائدة في الولايات المتحدة والتي زادت من تكاليف الديون الخارجية.

ولكن الآن يمكن حدوث صدمات جديدة. ونظراً لتصاعد المخاطر بعد الانتخابات الأميركية، أصبح التمويل أكثر تكلفة. لقد ارتفع بنحو نقطة مئوية واحدة منذ الانتخابات، ويمكن الآن للاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة أن يرفع أسعار الفائدة، كما ارتفع سعر الفائدة على السندات الأميركية اللاتينية أيضا.

والأسوأ من ذلك هو أن تصبح الاضطرابات المالية العالمية أكثر احتمالاً إذا مزجت الولايات المتحدة سياسة مالية توسعية - والتي سوف تعتمد إلى حد كبير على الكونغرس -مع سياسة نقدية انكماشية ودولار قوي. وهذا سيكون على غرار مزيج من السياسات التي عجلت المصاعب الاقتصادية العالمية في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وخاصة إذا كان العجز التجاري المتزايد سيعطي ترامب عذراً آخر لمتابعة الحمائية، كما فعلت الولايات المتحدة ضد اليابان آنذاك.

ستكون القرارات السياسة - الاقتصادية التي سيتخذها ترامب خلال الأيام الأولى من رئاسته حاسمة بالنسبة لأميركا اللاتينية. دعونا نأمل أن إدارته لن تحبط الانتعاش الاقتصادي ولن تدفع بلدان أميركا اللاتينية إلى الركود - في وقت كانت تعتقد فيه أنها قد تجاوزته.

* أستاذ في جامعة كولومبيا ورئيس لجنة المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة لسياسات التنمية، وزير المالية في كولومبيا ووكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية سابقاً.