إن أكثر ما تفوَّق فيه قادةُ الصين على أنفسهم هو استخدام الأدوات الاقتصادية لتعزيز المصالح الجيوستراتيجية لبلادهم، فمن خلال مبادرة «حزامٌ واحدٌ- طريقٌ واحدٌ» التي تكلفت تريليون دولار، تدعم الصين مشاريع البنية التحتية في الدول النامية ذات الموقع الاستراتيجي، وذلك غالباً عن طريق تقديم قروضٍ ضخمةٍ إلى حكومات تلك الدول، وبالتالي تقع تلك الدول في فخ الديون مما يجعلها عُرضة للوقوع تحت نفوذ الصين.
ومما لا شك فيه أن تقديم القروض من أجل مشاريع البنية التحتية ليس بالأمر السيئ في حد ذاته، ولكن المشاريع التي تدعمها الصين لا تهدُف عادة إلى دعم الاقتصاد المحلي، وإنما تستهدف تيسير وصول الصين إلى الموارد الطبيعية أو فتح الأسواق لاستقبال البضائع الصينية رديئة الصنع منخفضة التكلفة بل في كثيرٍ من الأحوال، تُرسل الصين عمال البناء من أبنائها مما يقلل من عدد فرص العمل المحلية التي يخلقها المشروع.
بل لعله من الأفضل للصين ألا تسير المشاريع على ما يرام، فكلما زاد عبء الديون على الدول الأصغر كلما زاد نفوذ الصين، وقد استغلت الصين نفوذها بالفعل لحث كمبوديا ولاوس وميانمار وتايلاند على التصدي لموقف دول رابطة جنوب شرق آسيا الموحد ضد مساعي الصين العدائية لتعزيز مطالباتها في بحر الصين الجنوبي.
وعلاوة على ذلك، تضطر بعض الدول - بعد أن تقع تحت طائلة الديون الصينية - إلى أن تبيع إلى الصين بعض أسهم المشاريع الممولة من الصين أو تُسلِّم إدارة تلك المشاريع إلى شركات صينية مملوكة للدولة، وبالنسبة للدول التي تتعرض لمخاطر مالية، تطالبها الصين حالياً بملكية غالبية الأسهم مقدماً، فعلى سبيل المثال عقدت الصين صفقة مع نيبال الشهر الجاري لبناء سد آخر هناك تمتلك الصين غالبية أسهمه، حيث تبلغ حصة شركة ثري جورجس الصينية المملوكة للدولة 75%.
ويبدو أن الصين لم تكتفِ بهذا، إذ اتخذت خطوات نحو ضمان عدم مقدرة الدول على التخلص من ديونها، ففي مقابل إعادة جدولة مواعيد السداد، تطلب الصين من الدول منحها عقود مشاريع إضافية مما يجعل أزمات ديون تلك الدول بلا نهاية وفي أكتوبر الماضي، قامت الصين بإسقاط 90 مليون دولار من ديون كمبوديا من أجل الحصول على عقودٍ كُبرى جديدة، وتأسف بعض الدول النامية على قرارها بقبول القروض الصينية، فقد اندلعت الاحتجاجات ضد البطالة المنتشرة التي نجمت عن إغراق الأسواق بالبضائع الصينية مما يقضي على فرص الصناعات المحلية، وتفاقمت بسبب استيراد الصين للعمال لمشاريعها الخاصة.
وبإعادة النظر في الأحداث الماضية، قد تبدو مخططات الصين واضحة، ولكن القرار الذي اتخذته العديد من الدول النامية بالموافقة على تلك القروض الصينية كان مبرراً من نواحٍ عدة، فنظراً لما تعانيه تلك الدول من إهمال هيئات الاستثمار فقد كانت لديها الكثير من احتياجات البنية التحتية الرئيسية التي لم تُلبَّى، ولذا فعندما عرضت الصين خدماتها مُطلِقة وعودها باستثمارٍ هادفٍ وقروض ميسرة، وافقت تلك الدول على الفور، وقد اتضح فيما بعد أن أهداف الصين الحقيقية كانت الاختراق التجاري والنفوذ الاستراتيجي، ولكن جاء هذا الاكتشاف بعد فوات الأوان، وبعد أن وقعت تلك الدول في حلقة مفرغة.
وسريلانكا خير شاهدٍ على هذا، فرغم أنها دولةٌ صغيرةٌ إلا أنها تحتل موقعاً استراتيجياً بين موانئ الصين الشرقية والبحر الأبيض المتوسط، وقد وصفها الرئيس الصيني شي جينبينغ بأنها حيوية لاستكمال طريق الحرير البحري.
وكانت الصين قد بدأت تستثمر بقوة في سريلانكا خلال حكم الرئيس ماهيندا راجاباكسا الذي دام تسعة أعوام، وقد حمت الصين الرئيس راجاباكسا في الأمم المتحدة من اتهامات له بارتكابه جرائم حرب، وسرعان ما أصبحت الصين المُستثمر والمُقرض الرئيسي في سريلانكا وثاني أكبر شُركائها التجاريين مما منحها نفوذاً دبلوماسيّاً قويّاً.
لقد كانت الأمور سهلة بالنسبة للصين حتى هزيمة راجاباكسا غير المتوقعة في مطلع انتخابات 2015 على يد مايتريبالا سريسينا الذي أسس حملته الانتخابية على وعد تحرير سريلانكا من فخ الديون الصينية، وإيفاءً بوعده فقد علق العمل في مشاريع صينية ضخمة عدة.
ولكن كان الأوان قد فات بالنسبة للحكومة السريلانكية، فقد كانت بالفعل على حافة التخلّف عن السداد، وكما تبجح أحد الذين يعبرون عن وجهة النظر الرسمية الصينية بأن سريلانكا لم يكن لديها أيّ خيارٍ سُوى «التخلي عن سياستها الجديدة واعتناق السياسة الصينية مرة أخرى» ولأن سريسينا كان بحاجة إلى المزيد من الوقت لسداد القروض القديمة والحصول على ديون جديدة فلقد رضخ لسلسلة من المطالب الصينية ومن بينها إعادة تفعيل بعض المبادرات المُعلّقة مثل مبادرة ميناء مدينة كولومبو بقيمة 1.4 مليار دولار ومنح الصين مشاريعَ جديدة.
وقد وافق سريسينا أخيراً على بيع 80% من حصص ميناء هامبنتوتا للصين بمبلغ قدره 1.1 مليار دولار ووفقاً لما صرح به السفير الصيني في سريلانكا يي شيان ليانغ، فإن بيع حصص مالية في مشاريع أخرى مطروح للنقاش لمساعدة سريلانكا في «حل مشكلاتها المالية». ويوجه راجابكسا حالياً اتهاماتٍ إلى سريسينا بمنح الصين امتيازاتٍ غير مُستحقة.
ففي ظل دمج الصين لسياساتها الأجنبية والاقتصادية والأمنية، تتقدم نحو هدفها في إحكام سيطرتها على روابط التجارة والاتصالات والنقل والأمن وإذا ما ظلّ كاهل تلك الدول مُثقلاً بديونٍ شاقةٍ نتيجة لذلك، فستساعد مصاعبها المالية الصين في تحقيق مخططاتها الاستعمارية الجديدة، وعلى الدول التي لم تقع في فخ الديون الصينية بعد أن تأخذ حذرها وتتخذ الخطوات الممكنة لتجنُّب الوقوع في هذا الفخ.
* أستاذ الدراسات الاستراتيجية بمركز نيودلهي لأبحاث السياسات وزميل أكاديمية روبرت بوش في برلين، ومؤلف تسعة كتب من بينها: آسيا الطاغوت، المياه: ساحة المعركة الجديدة في آسيا، المياه والسلام والحرب: مواجهة أزمة المياه العالمية.

