تتلخص مشكلة أساسية في الولايات المتحدة اليوم ــ والتي انعكست في انتصار دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية ــ في شعور الكثير من الأميركيين بالعجز وانعدام الأمان في مواجهة استقطاب الوظائف الناجم عن العولمة والتكنولوجيات الجديدة.
وفي حين كان أداء الأشخاص الحاصلين على تعليم عال على قمة توزيع الدخل أفضل من أي وقت مضى، يواجه أولئك الحاصلين على التعليم الثانوي فقط انخفاض دخولهم ومستويات معيشتهم وتدني توقعاتهم لأنفسهم وأبنائهم. والآن يجري تمزيق الطبقة المتوسطة إرباً.
كان فوز ترامب راجعاً بشكل كبير إلى نجاحه في إقناع الناخبين في بنسلفانيا، ومتشيغان، وويسكنسن، وأماكن أخرى بأن سياساته سوف تُسفِر عن نتائج أفضل في المجتمعات حيث يتجه التصنيع إلى الانحدار. والواقع أن إدارته، بدعم من الأغلبية الجمهورية في مجلسي الكونجرس الأميركي، من المرجح أن تزيد الأمور سوءا بالنسبة للأميركيين الذين يتحملون ضغوطاً شديدة.
تكمن المشكلة الأساسية في التكنولوجيا الجديدة، وعلى وجه التحديد تكنولوجيا المعلومات، والطريقة التي عملت بها على تحويل طبيعة العمل. فكما أظهر ديفيد أوتور وديفيد دورن، اختفت العديد من وظائف الطبقة المتوسطة والمهارات المتوسطة والدخل المتوسط.
والواقع أن الوظائف الجديدة التي نشأت مجزية الأجر للأشخاص من ذوي التعليم العالي ومتدنية الأجر للأشخاص الذين يحملون شهادة التعليم الثانوي فقط.
ويتمثل العَرَض الرئيسي ــ ولكنه مجرد عَرَض ــ في اختفاء الوظائف المجزية الأجر في المصانع. فقد انخفض تشغيل العمالة في قطاع التصنيع بما يزيد على مليوني وظيفة في الفترة من 2004 إلى 2014، وهو الآن يمثل ما يزيد قليلا على 8% من إجمالي العمالة ــ استمراراً للانحدار الطويل الأمد منذ خمسينيات القرن الماضي.
وقد تفاقم هذا الاتجاه المدفوع بالتكنولوجيا بفِعل التأثيرات المترتبة على انخفاض تكاليف النقل والاتصالات، والذي يجعل نقل البضائع لمسافات طويلة أرخص كثيرا. وتعمل الشبكات المتنامية من الموردين المتطورين على تسهيل نقل أنشطة التصنيع إلى الخارج في مواقع حيث الأجور أدنى.
وقد جعلت شركات عديدة في الولايات المتحدة هذه الحقيقة جزءاً مهماً من استراتيجيتها في إدارة أعمالها، مع ترافق التراجع الناجم عن هذا في قطاع التصنيع الأميركي مع انحسار النشاط النقابي. وعندما يخسر الناس وظائف عالية الأجور نسبيا ووظائف نقابية مرتفعة الفوائد، فإنهم كثيرا ما يُعاد توظيفهم بأجر أقل ومن دون نفس المستوى من الفوائد.
تسببت الأزمة المالية في عام 2008 في اتساع فجوة التفاوت في الدخل وتفاقم انعدام الأمن الاقتصادي جزئيا من خلال تسريع عملية فقدان الوظائف في قطاع التصنيع. والواقع أن الحجج التي سيقت بأن هذا كان ضرورياً، أو حتى "مثالياً" لتحويل الدعم المالي من الحكومة تجاه البنوك ومسؤوليها التنفيذيين، ليست مقنعة (على الأقل ليس خارج وال ستريت).
صحيح أن الأميركيين من ميسوري الحال شهدوا انحدارا كبير في الثروة عندما انخفضت أسعار الأصول. ولكنهم استفادوا منذ ذلك الحين من التعافي القوي في أسعار الأسهم والعقارات الراقية.
في هذه البيئة، حيث يشعر كثيرون بانعدام الأمن بشأن آفاقهم الاقتصادية، فإن الدَفعة التي أعطتها إدارة الرئيس باراك أوباما لاتفاق الشراكة عبر المحيط الهادي كانت نهجا غير مميز للفوارق الدقيقة في أفضل تقدير.
فقد زعمت الإدارة أن اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادي كفيل بخلق بعض الوظائف الجيدة ــ و"تعويض" الناس الذين خسروا وظائفهم نتيجة لهذا. ولكن مثل هذا التعويض يثبت دوما كونه متدنيا للغاية ويُنظَر إليه على نطاق واسع باعتباره بلا معنى. ولهذا السبب، نجح ترامب في حشد أغلبيات كبيرة في العديد من معاقل الطبقة العاملة التي دعمت أوباما من قبل.
من المؤسف أن الحياة توشك أن تزداد تعقيدا بالنسبة لهؤلاء الناخبين. ومع سيطرتهم على الرئاسة والكونغرس، فمن المرجح أن يلاحق الجمهوريون ثلاث سياسات اقتصادية رئيسية. وسوف يساعد خفض الضرائب الشخصية وضرائب الشركات الأميركيين الأكثر ثراء في المقام الأول.
وسوف يخلف إلغاء إصلاح الرعاية الصحية الذي أقره أوباما تأثيراً شديداً على العديد من الأشخاص من ذوي الدخل المتدني مع فقدانهم للتغطية التأمينية الميسورة.
وسوف يحابي إلغاء القيود التنظيمية المالية في الأغلب البنوك العالمية الضخمة، ويشجع المجازفات المتهورة، ويمهد الساحة لأزمة أخرى واسعة النطاق. وبالإضافة إلى هذا، من المرجح أن تُفضي التدابير التجارية الصِدامية التي اقتراحها ترامب إلى زيادة موقف تشغيل العمالة سوءا على سوء.
في الوقت نفسه، من المرجح أن يكون مدى أي حافز فعّال للاقتصاد ضئيلاً للغاية. ولن يساعد فرط تنشيط الاقتصاد ــ على النحو الذي يؤدي إلى ارتفاع التضخم وارتفاع أسعار الفائدة ــ الأشخاص من ذوي الدخول المتدنية عادة (ولنتذكر هنا سبعينيات القرن العشرين).
يتمثل الوعد الموضوعي الرئيسي الذي بذله ترامب في استعادة وظائف الطبقة المتوسطة، وخاصة في قطاع التصنيع. ولكن لا شيء في هذه السياسات أو البرنامج الجمهوري الأعرض يتعامل مع القضية الأساسية المتمثلة في التغير التكنولوجي.
وسوف تخلف الموجة التالية من التكنولوجيا، بما في ذلك السيارات بدون سائق، تأثيراً سلبياً كبيراً على دخول وفُرَص كل من ينقل البضائع أو الركاب بالسيارات حاليا ، وعلاوة على ذلك، يعني التقدم السريع في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات أنه حتى لو استقر الناتج في قطاع التصنيع أو اتجه نحو الصعود، فإنه لن يشمل أي مستوى قريب من عدد الوظائف المتوسطة المهارة التي كان يدعمها في الماضي. وعلى نحو مماثل، سوف يؤدي التشغيل الآلي إلى تآكل عدد الوظائف الحالية المجزية الأجر في قطاع الخدمات.
ونظراً للدور الذي تلعبه التكنولوجيا في إزاحة العمال، فإن تدابير الحماية ــ التي تمزق الاتفاقيات التجارية وتفرض الرسوم على السلع الصينية والمكسيكية ــ لن تعيد وظائف التصنيع العالية الأجر، ولم يتحدث ترامب عن أي خطة بديلة. وهذا يعني أن استقطاب أميركا الذي دفع ترامب إلى السلطة سوف يزداد حِدة.
* سيمون جونسون أستاذ في كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

