يسعى المجتمع العلمي بصرامة نحو إيجاد إجماع على المعرفة التي أنتجت حتى الآن، لكنه يعلم أنه ما يزال يوجد الكثير الذي لم يتم اكتشافه بعد. ومن ثم، فإن المعرفة العلمية جميعها أولية، وستتوسع وتستكمل أو سيحل محلها معرفة جديدة، وفي الوقت ذاته، فإن العلم والتكنولوجيا مكّنانا من توقع المخاطر وتحديد المجهول الإضافي، لذا كلما زادت معرفتنا أدركنا أكثر ما لا نعرفه.

لكن، وحيث إن المجتمع العلمي يتبنى الغموض ويظل دائم الفضول وواثقاً بقوة العلم والتكنولوجيا في خلق فرص جديدة للمستقبل الجماعي للبشرية، فإن هناك قطاعات أخرى من المجتمع لا تتبنى بالضرورة هذه النظرة، وحري بالعلماء أن يفهموا السبب وراء هذا. وثمة خط رفيع بين صلاحيات الخبراء في إصدار أحكام تقنية وصلاحيات غير الخبراء لتقييم نتائج هذه الأحكام، لكن بين هذين الموقفين يكمن نطاق واسع من النتائج غير المقصودة، فعندما يترجم الناس المعرفة إلى فعل، فإنهم يبادرون بتفاعلات جديدة مع أنظمة معقدة دون أن يعرفوا بالضرورة ما النتائج النهائية لهذه التصرفات، وما نحتاج إليه الآن أدوات حسابية أكثر دقة .

كان العلم والتكنولوجيا عاملين حاسمين لهذا التقدم، لكنهما لم يكونا كافيين، واحتجنا أيضاً إلى أفكار جديدة عن نطاق الوكالة الإنسانية. إن إنجازات العلم الحديث جعلت البشر يدركون أن المستقبل مفتوح بصورة جوهرية، وعلى الرغم من تبعات هذا المسار، فإن المعلومات المنقوصة والتحيزات المعرفية يمكن أن تظل محبطة للتصرفات البشرية.

لكن هذا هو المجال الذي يمكن للعلم أن يقدم فيه شيئاً ما، وأن يوضح العلم ما قد يكون مخفياً دونه، فهو ينبهنا إلى العشوائية في العالم المادي والاجتماعي، وينبهنا إلى الدور الذي يؤديه الغموض في مجتمعاتنا وحياتنا الشخصية، عن طريق الكشف عن الفوضى التي خلقناها في هذا العالم - سواء عن قصد أو عن غير قصد .

* هيلغا نوفوتني الرئيس السابق للمجلس الأوروبي للبحوث ومؤلفة كتاب دهاء الغموض