كيف يمكن للولايات المتحدة الرد على الهجمات الإلكترونية، التي تتعرض لها من قبل قوى أجنبية أو وكلائها؟ واجه الرئيس باراك أوباما هذه القضية في أعقاب تقارير عن القرصنة الروسية، خلال الدورة الانتخابية الأخيرة للولايات المتحدة، لكنها ليست مسألة روسيا أو أوباما فحسب. ويواجه الرئيس المنتخب دونالد ترامب المشكلة نفسها، ولن تكون له خيارات فُضلى.
«التسمية والتشهير» إجراء غير مُرض، لأن القراصنة نادراً ما يشعرون بأي حرج أو عار. وبالمثل، فإن اتهام المجرمين- وهو إجراء اتخذ سابقاً ضد القراصنة الصينيين- لن يعرض أي شخص للمحاكمة. وقد أثار نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن إمكانية القيام بهجمات مضادة إزاء شبكات الكمبيوتر الروسية، لكن قد يؤدي هذا الرد إلى التصعيد، وإلى التخلي عن الأخلاق العالية.
قد تبدو العقوبات الاقتصادية كأنها وسيلة بسيطة وغير مكلفة، لتسجيل استنكار جرائم القرصنة الأجنبية؛ في حالة روسيا، يمكن تشديد العقوبات الحالية ضد أكبر بنوكها وأقرب المقربين للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكن اللجوء إلى العقوبات في حالات كثيرة جداً يمكن أن تكون له عواقب بعيدة المدى، كإضعاف دور الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي في النهاية.
إن ثلثي جميع الاحتياطات العالمية بالدولار، و88% من جميع معاملات الصرف الأجنبي في جميع أنحاء العالم تتم بالدولار. لذلك، فإن أقوى أداة عقوبات لأميركا هي قدرتها على منع بنك إجرامي ومحتال من القيام بالمعاملات بالدولار الأميركي، لكن في كل مرة تشدد الولايات المتحدة العقوبات على دولة أخرى، فإنها بذلك تخاطر بتقويض مكانة الدولار كونه عملة احتياطة رئيسة في العالم، وتجعل العقوبات في المستقبل أقل فعالية.
يمكن للولايات المتحدة توجيه ضربة قاسية للمنظمات الإرهابية وكبار تجار المخدرات من خلال منعهم من التعامل بالدولار، كما لن يقبل مديرو البنوك مجرد التفكير في فقدان القدرة على الوصول للدولار، لكن عندما تستهدف العقوبات بلداً معيناً، فإن فعاليتها ستعتمد أكثر من ذلك بكثير على مشاركة الدول الأخرى، التي يمكن أن تكلف رأس المال السياسي.
على سبيل المثال، أجبرت العقوبات الأميركية في نهاية المطاف إيران للحضور والتفاوض على اتفاق نووي، لكن العقوبات كانت فعالة فقط، بفضل قيام تحالف دولي واسع النطاق، بدعم من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بهدف عزل إيران مالياً.
كما تضاعفت العقوبات الأميركية ضد روسيا بعد ضم الأخيرة لشبه جزيرة القرم في عام 2014 نتيجة لتراجع أسعار النفط المفاجئ، وبسبب نشر تدابير مماثلة من قبل الاتحاد الأوروبي، أكبر شريك تجاري لروسيا. ومن دون مشاركة الاتحاد الأوروبي، لكانت العقوبات الأميركية أقل فعالية بكثير.
في حين أن التحالفات الدولية تضفي مصداقية على العقوبات الأميركية، لكنها ضعيفة ومؤقتة في أحسن الأحوال.
عام واحد فقط بعد التوصل لاتفاق إيران، من الصعب التصور أن الصين أو روسيا ستؤيدان المزيد من العمل المشترك ضد إيران، حتى لو تم التوصل إلى اتفاق. وبالمثل، يجب على القادة الأوروبيين تجديد العقوبات ضد روسيا كل ستة أشهر، ما يعني أن هذه الأخيرة من المحتمل أن تتملص لفترة كافية من تغيير سياسة الكرملين.
على الرغم من علاقة ترامب الواضحة مع بوتين، ستكون العقوبات الأميركية أكثر دواماً بكثير، حتى عندما كان أوباما يدعم بنشاط انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية في وقت سابق من رئاسته، كان عليه أن ينفق من رأس المال السياسي الكبير لإلغاء تعديل جاكسون- فانيك لعام 1974، والذي أمن الهجرة اليهودية الحرة من الاتحاد السوفييتي شرطاً لعلاقات التجارة العادية.
في هذه المرحلة، سيكون إعادة العلاقة الدبلوماسية إلى مجراها الطبيعي صعباً للغاية، إن لم يكن مستحيلاً.
إضافة إلى بناء تحالفات من أجل فرض العقوبات، يجب على الولايات المتحدة استخدام نفوذها الكامل في النظام المالي العالمي، لتعزيز مصالح عالمية حقيقية. عدد قليل من الناس يقولون إن معاقبة المجرمين والإرهابيين مسألة غير شرعية، حتى لو كانت هناك خلافات حول قضايا معينة.
إن استخدام العقوبات المالية لتعزيز الجهود العالمية المتفق عليها على نطاق واسع مثل منع انتشار الأسلحة النووية، أو للدفاع عن المبادئ المشتركة مثل سيادة الحدود، قد لا ينجح دائما، لكنه تكتيك مقبول على نطاق واسع،
لكن الفرق بين المبادئ العالمية والمصالح الوطنية الأساسية يكون في كثير من الأحيان واضحاً للناظر: ما تعتبره الولايات المتحدة إهانة يمكن أن تنظر إليه الدول الأخرى مصلحة أميركية محدودة، على سبيل المثال.
كان هناك قليل من التعاطف مع كوريا الشمالية عندما فرض أوباما عقوبات ضدها العام الماضي رداً على الهجمات الإلكترونية ضد سوني بيكتشرز، لكن كان هناك تذمر إزاء التجاوز الأميركي عندما فرضت الولايات المتحدة على بنك بي.ان.بي باريبا الفرنسي غرامة 8.9 ملايين دولار في عام 2014.
ومنعت مؤقتاً بعض التعاملات بالدولار، لانتهاكها العقوبات ضد السودان وإيران وكوبا، وبالمثل، فإن قرصنة المنظمات السياسية في الولايات المتحدة في محاولة لعرقلة العملية الديمقراطية الأميركية سلوك يتعين على جميع الدول المحترمة تجنبه، لكن بعض المراقبين سيصفونه بلا شك بأنه فصل آخر من تنافس القوى العظمى ولا سيما روسيا والولايات المتحدة.
هناك مخاطر واضحة بالنسبة للولايات المتحدة إذا تم إغراؤها لمنع المعاملة بالدولار دفاعاً عن المصالح الأنانية والضيقة. هل سترد الولايات المتحدة بفرض عقوبات إذا كانت الهجمات الإلكترونية على سوني آتية من منافس أجنبي بسبب النزاع التجاري؟
أو إذا تم تنفيذ هجوم ظاهري للاحتجاج على السياسات الأميركية المثيرة للجدل في الشرق الأوسط؟ إنه من الصعب تلبية جميع النداءات، ولذلك وجب على أي إدارة أميركية الامتناع عن إخراج الأفراد والشركات والدول من نظام التجارة بالدولار.
مع مرور الوقت، حتى الجهات الفاعلة المشروعة ستجد القنوات التجارية والمالية البديلة في حال شعرت بأن المعاملة بالدولار مشروطة بعدم مخالفة مصالح الولايات المتحدة.
إن فرض العقوبات يبدو كأنه استجابة غير مكلفة وسهلة للاستياء العالمي، لكن الأمر ليس كذلك. يجب على الولايات المتحدة فحص العقوبات بعناية، والتأكد من أنها تعزز الثقة في القيادة الأميركية- وفي الدولار- بدلاً من إثارة الشكوك.
* كريستوفر سمارت مساعد خاص لرئيس الاقتصاد الدولي والتجارة والاستثمار (2013-15) ونائب مساعد وزير الخزانة (2009-13)، ويعمل حالياً زميل أول في مركز مصفر رحماني للمؤسسات والحكومات في مدرسة كينيدي بجامعة هارفارد وزميل وايتهيد في تشاتام هاوس

