يبدو أن الشعبوية تحولت إلى عدوى فيروسية تجتاح الاقتصادات المتقدمة، وفي الوقت نفسه تتقهقر المؤسسة السياسية. ويسجل الدخلاء انتصارات سياسية كبيرة من خلال بذل وعود مثيرة بقلب الأوضاع أو الإطاحة بالنظام. وأعداء الشعبويين هم أعضاء «النخبة العالمية»، الذين خانوا القيم الوطنية، ومع ذلك فإن ثورتهم ضد ما سماه الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب «الأممية» تطمح أيضاً إلى التحول إلى ظاهرة عالمية، وتعتمد في واقع الأمر على نسختها الخاصة من مبدأ الدولية.

العدوى عملية مفهومة في عالَم التمويل. فالصدمة التي يشهدها مكان ما تُحدِث اهتزازات في أماكن أخرى، حتى في غياب أي ارتباطات مالية مباشرة، لأن المشاركين في السوق الذين يبحثون عن نمط معين يدركون القوى الأساسية العامِلة.

وتستعرض الثورة الشعبوية اليوم ديناميكية مماثلة. فقد وعد ترامب مقدماً بأن يكون فوزه أشد تأثيراً من الخروج البريطاني ، وبالفعل، بعد فوزه على الفور، نظرت قوى اليمين المتطرف الهولندية والفرنسية إلى انتخابه باعتباره بشيراً بما هو آتٍ. وكذلك فعلت حملة «لا» في الاستفتاء الدستوري المقبل في إيطاليا، التي عليها راهن رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي بمستقبله السياسي. بيد أن الشعبويين اليوم حريصون على رفض التفكير الجماعي، أو المشاركة دولياً. فكل ما يبدو قريب الشبه بالقضايا العابرة للحدود الوطنية يُحكَم عليه على الفور باعتباره غير ذي صِلة بالمصالح الوطنية ، ولذلك فربما تخلق الشعبوية المعدية اليوم الظروف المعجلة بفنائها، ذلك أن ما تنطوي عليه من غموض كبير وعدم يقين قد يردع أي استثمار ويخنق النمو في الاقتصادات الهشة ، ولهذا السبب يَعِد «الديمقراطيون غير الليبراليين» باليقين والاستمرارية، وكثيراً ما يقيمون التحالفات مع أجزاء من طبقة رجال الأعمال لضمان ذلك.

* هارولد جيمس أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون، وكبير زملاء مركز إبداع الحوكمة الدولية

هارولد جيمس*