يبدو أن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماري، يغيب عنها الكثير حول تشابك التجارة الدولية والاستثمار والهجرة. فقد تباهت مؤخراً بأن لندن هي عاصمة العالَم المالية، دون أن تعترف بأن الفضل في هذا يرجع في الأغلب إلى البنوك الأجنبية التي توظف عاملين أجانب لخدمة الأسواق الدولية، بما في ذلك سوق الاتحاد الأوروبي.
فماي تبدو وكأنها لا تدرك أن ضوابط الهجرة هي في واقع الأمر حواجز تجارية، فهي تسمى «تجارة» إذا أسندت شركة تجارية أعمال حوسبة إلى شركة في الخارج في بنغالور، و«هجرة» إذا قام مبرمجون هنود بنفس الأمر في برمنغهام، ولكن العمليات متماثلة. فإذا كانت بولندا متخصصة في البناء، وتريد المملكة المتحدة شراء خدماتها، فلابد أن ينتقل الناس بين البلدين للتجارة.
رسمياً، لا تزال الحكومة البريطانية متحمسة بشأن التجارة الحرة. ولكن في الممارسة العملية تكون الأسبقية لسياساتها غير الليبرالية. ويتغلب الخوف من أوروبا على التبادل الحر مع جيران بريطانيا وشركائها التجاريين الرئيسيين، في حين تتغلب كراهية الأجانب على الحاجة إلى العمال الأجانب. ولكن إلى متى قد يظل ما تبقى من أجندة العولمة على قيد الحياة؟ على افتراض أنها قد تجد شركاء راغبين، فإن الشعبوية قد تمنع أي صفقة تجارية تبدو وكأنها تخدم «النُخَب الدولية». وربما تقود النزعة القومية بريطانيا إلى إغلاق الباب في وجه الاستثمارات الصينية أيضاً.
لقد اختار الناخبون البريطانيون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ولكنهم لم يحددوا كيف؛ وعلى هذا فإن ماي لا تملك تفويضاً انتخابياً يسوغ لها هذا التحول، رغم معارضتها الرسمية متمثلة في حزب العمال، وما لم يتمكن الديمقراطيون الليبراليون من العودة، فقد تحتاج بريطانيا إلى حزب سياسي جديد «أو تحالف بين أحزاب» للنضال من أجل دولة ليبرالية متسامحة تتطلع إلى الخارج والتعايش.
* المستشار الاقتصادي الأسبق لرئيس المفوضية الأوروبية وكبير زملاء لكلية لندن للاقتصاد.