عندما تحظى الولايات المتحدة برئيس جديد وكونجرس جديد بعد ستة أشهر فقط من الآن، فآنئذ يكون الوقت مناسباً لإعادة النظر في برامج الحكومة التي تهدف إلى مساعدة الفقراء. عَكَس موسم الانتخابات الحالي اهتماماً واسع النطاق بقضية التفاوت بين الناس. وأرى أن الحد من الفقر، بدلاً من معاقبة النجاح المستحق، هو المحور المناسب في التعامل مع هذه القضية.
تنفق حكومة الولايات المتحدة الآن أكثر من 600 مليار دولار سنوياً على برامج مصممة لمساعدة الفقراء. وهذا يعادل نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي.
ويذهب نصف هذه النفقات إلى البرامج الصحية، بما في ذلك برنامج المساعدة الطبية للفقراء «Medicaid» وإعانات دعم التأمين الصحي بموجب قانون الرعاية الميسرة لعام 2010 «أو ما يسمى أوباما كير». ويذهب النصف الآخر إلى مجموعة معقدة من البرامج تشمل كوبونات الطعام، وإعانات دعم الإسكان، والإعفاءات الضريبية على الدخل المكتسب، والإعانات النقدية.
وتُقَدَّر نسبة السكان الذين يعيشون في فقر رسمياً بنحو 15%، كما كانت قبل خمسين عاماً تقريباً، والواقع أن العديد من الفقراء، أو الذين قد يندرجون تحت فئة الفقراء خلافاً لذلك، يحصلون على استحقاقات الضمان الاجتماعي المخصصة للمتقاعدين والناجين، وعلى فوائد الرعاية الطبية لذوي الاحتياجات الخاصة والأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً.
ولأن التأهل للحصول على الاستحقاقات بموجب هذه البرامج لا يعتمد على الدخل أو الثروة، فإن المبالغ التي تنفق على هذه البرامج لا تُدرَج ضمن النفقات التي تستهدف الفقراء.
الواقع أن النهج الحالي لمساعدة الفقراء يحتاج إلى الإصلاح. ذلك أن البرامج العديدة المتداخلة والتي تحدد قواعد مختلفة للأهلية يصعب على الفقراء الإبحار عبرها، كما تخلق حوافز عمل سيئة، وهي فضلاً عن ذلك مكلفة لدافعي الضرائب من دون داع.
يُعَد برنامج دعم المواد الغذائية الذي يسمى الآن «برنامج مساعدات التغذية التكميلية» أكبر البرامج العشرة الرئيسية التي تستهدف المستحقين. إذ يحصل نحو 46 مليون شخص، نحو واحد على سبعة من سكان الولايات المتحدة، على مزايا شهرية تبلغ في مجموعها 75 مليار دولار سنوياً. وبرغم استخدام هذا البرنامج على نطاق واسع، فإن تقديرات الحكومة تشير إلى أن 70% فقط من المؤهلين يحصلون على مزاياه.
تقتصر الأهلية للحصول على فوائد برنامج مساعدات التغذية التكميلية على الأسر التي يقل دخلها عن 130% من مستوى الفقر، نحو 1700 دولار شهرياً للأسرة المكونة من ثلاثة أفراد. ولأن اتخاذ بالغ ثان في الأسرة القرار بمزاولة العمل من الممكن أن يلغي الأهلية، فإن هذا البرنامج يثبط تشغيل العمالة ويقلل من الدخل المكتسب.
ورغم أن برنامج مساعدات التغذية التكميلية يوصف كبرنامج تغذية، فإن متوسط الفوائد بنحو 130 مليار دولار شهرياً أقل كثيراً مما تنفقه الأسر منخفضة الدخل على الغذاء. وبالتالي فإن البرنامج يعادل حقاً تحويلاً نقدياً. وعلى هذا فإنه يهيمن على البرنامج الذي أطلقه الرئيس بِل كلينتون والذي يقضي بتقديم مساعدات نقدية في ظل قيود شديدة.
عندما أعلن كلينتون في عام 1996 أنه يعتزم «إنهاء الرعاية الاجتماعية كما نعرفها»، عمل مع الكونجرس لإنشاء برنامج المساعدات المؤقتة للأسر المحتاجة، والذي يشترط على المستفيدين العمل ويحد من أهليتهم لهذا البرنامج طوال حياتهم بنحو 60 شهراً. ونتيجة لهذه الشروط، تضاءل حجم هذا البرنامج الذي كان 17 مليار دولار وأصبح معدل المشاركة فيه أقل من 50% من الأسر المؤهلة.
كيف يمكن إذن تغيير برامج الفقراء لزيادة المشاركة وتجنب التأثيرات السلبية في حوافز العمل؟ يتلخص أحد الأفكار السيئة التي تحظى بقدر مذهل من الاهتمام الإيجابي حالياً في ما يسمى فوائد الدخل الشامل: توفير القدر الكافي من المال لكل الأسر (دون سن 65 عاماً) لإبقائها فوق خط الفقر، حتى ولو لم يكن لديها أي دخل آخر.
ويعتمد المبلغ الذي تحصل عليه كل أسرة على عدد البالغين والأطفال، ولكنه لا يعتمد على دخل الأسرة أو ثروتها.
وهذا التحويل غير المشروط من شأنه أن يحل مشكلة انتشال كل الأميركيين من براثن الفقر. ولكنه باهظ التكاليف إلى حد يجعل تنفيذه مستحيلاً. وحتى إذا حل محل كل برامج المستحقين للفقراء عدا البرامج الصحية، فإن صافي تكلفته قد يتجاوز 1.5 تريليون دولار سنوياً، أو أكثر من 9% من الناتج المحلي الإجمالي.
تتمثل أفضل طريقة لمساعدة الفقراء بخطة ضريبة الدخل السلبية التي اقترحها ميلتون فريدمان «رجل الاقتصاد المحافظ في جامعة شيكاغو» وجيمس توبين «رجل الاقتصاد الليبرالي في جامعة ييل».
بموجب هذه الخطة تحصل كل الأسر تحت سن 65 عاماً على مبلغ من المال يبقيها خارج نطاق الفقر ولو لم يكن لها أي دخل آخر؛ ولكن مبلغ التحويل سوف ينخفض تدريجياً مع ارتفاع دخل الأسر. ففوق عتبة معينة، تدفع الأسرة ضريبة دخل كما تفعل اليوم؛ وتحت ذلك المستوى تصبح «الضريبة» سلبية.
وسيجري تحديد المعدل الذي ينخفض التحويل عنده للحد من الحوافز السلبية وفي الوقت نفسه حماية مستوى معيشة الأسرة. وسوف تستمر برامج الرعاية الصحية للفقراء.
في حين لا يوجد حل مثالي للمشكلات الصعبة التي تنشأ في التصدي للفقر، فإن بعض الحلول أفضل ــ بل أفضل كثيراً في بعض الأحيان ــ من غيرها. وقد تكون ضريبة الدخل السلبية أفضل وسيلة ممكنة لضمان البساطة، والشمولية، والتكلفة المعتدلة لدافعي الضرائب.
* أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، والرئيس الفخري للمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية، وكان رئيساً لمجلس مستشاري الرئيس رونالد ريجان للشؤون الاقتصادية
