لنتأمل إعانات الدعم الزراعية في أوروبا والحظر المفروض على الكائنات المعدلة وراثياً، أو إساءة استخدام قواعد مكافحة الإغراق في الولايات المتحدة، أو الحماية غير الكافية لحقوق المستثمرين في الدول النامية. وهذه في الأساس سياسات «إفقار الذات». وتتحمل تكاليفها الاقتصادية في المقام الأول الدول التي تفرضها، حتى برغم أنها ربما تتسبب بإحداث آثار سلبية يتحملها آخرون أيضاً.

على سبيل المثال، يتفق خبراء الاقتصاد عموماً على أن إعانات الدعم الزراعية غير فعّالة وأن الفوائد التي تعود على مزارعي أوروبا بفضلها تأتي مصحوبة بتكاليف ضخمة يتحملها كل شخص آخر في أوروبا، في هيئة أسعار مرتفعة، أو ضرائب مرتفعة، أو كلا الأمرين. ولا تُفرَض مثل هذه السياسات لانتزاع مزايا من دول أخرى، بل لأن أهدافاً محلية أخرى متنافسة ــ توزيعية، أو إدارية، أو ذات صلة بالصحة العامة ــ تهيمن على الدوافع على نطاق الاقتصاد بالكامل.

ويصدق الأمر ذاته على القواعد التنظيمية المصرفية الهزيلة أو سياسات الاقتصاد الكلي الرديئة التي تؤدي إلى تفاقم دورة الأعمال وتعمل على توليد عدم الاستقرار المالي. وكما أظهرت الأزمة المالية العالمية عام 2008، فإن العواقب الممتدة إلى خارج حدود الدولة قد تكون جسيمة. ولكن إذا كانت الهيئات التنظيمية في الولايات المتحدة غفلت أو تقاعست عن أداء وظيفتها، فإن هذا لم يكن راجعاً إلى أن اقتصاد أميركا استفاد في حين دفعت الاقتصادات الأخرى الثمن، بل كان الاقتصاد الأميركي بين أكثر الاقتصادات معاناة.

* أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كلية جون كينيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد، ومؤلف كتاب «الاقتصاد يحكم: حقائق وأباطيل العلم الكئيب».