إن تتويج حرية حركة رأس المال ــ وخاصة من النوع القصير الأجل ــ كقاعدة سياسية من قِبَل الاتحاد الأوروبي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، كان القرار الأكثر مصيرية بالنسبة للاقتصاد العالمي في العقود الأخيرة.

وكما أظهر راوي عبد العال، الأستاذ في كلية هارفارد لإدارة الأعمال، فلم يكن هذا الجهد بقيادة منظري السوق الحرة، بل قاده في أواخر ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن العشرين التكنوقراط الفرنسيون من أمثال جاك ديلور (في المفوضية الأوروبية) وهنري تشافرانسكي (في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية) والذي كان على صِلة وثيقة بالحزب الاشتراكي في فرنسا. وعلى نحو مماثل، في الولايات المتحدة، كان التكنوقراط بالاشتراك مع الحزب الديمقراطي الأكثر ميلاً إلى اعتناق مبادئ جون ماينارد كينز، مثل لورنس سامرز، هم الذين قادوا حملة إلغاء القيود التنظيمية المالية.

ويبدو أن التكنوقراط الاشتراكيين في فرنسا استخلصوا من تجربة ميتران الفاشلة مع التدابير الكينزية في أوائل الثمانينيات أن الإدارة الاقتصادية المحلية لم تعد ممكنة.

والفارق الحاسم بين اليمين واليسار هو أن اليمين يتغذى على تعميق الانقسامات في المجتمع - «نحن» في مقابل «هم» - في حين يتغلب اليسار عندما يكون ناجحاً على هذه الانقسامات من خلال الإصلاحات التي تقيم الجسور عبرها.

ومن هنا كانت المفارقة أن الموجات المبكرة من الإصلاحات من قِبَل اليسار - الكينزية، والديمقراطية الاجتماعية، ودولة الرفاهة الاجتماعية ــ هي التي أنقذت الرأسمالية من نفسها وبالتالي أصبحت زائدة عن الحاجة فعلياً. وفي غياب مثل هذه الاستجابة مرة أخرى، فسيُترَك المجال مفتوحاً على مصراعيه للشعبويين وجماعات اليمين المتطرف، التي ستقود العالم ــ كما كانت تفعل دوما ــ إلى انقسامات أعمق وصراعات أكثر تواتراً.

* أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كلية جون كينيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد