في حين يترنح العالم تحت وطأة صدمة الخروج البريطاني، يتبادر إلى أذهان أهل الاقتصاد وصناع السياسات أنهم استخفوا استخفافاً شديداً بهشاشة النموذج الحالي للعولمة. وتتخذ الثورة الشعبية التي يبدو أنها تجري الآن أشكالاً مختلفة ومتداخلة: إعادة التأكيد على الهويات المحلية والوطنية، والمطالبة بقدر أكبر من السيطرة الديمقراطية والمساءلة، ورفض الأحزاب السياسية الوسطية، وانعدام الثقة في النخب والخبراء.
كانت ردة الفعل العكسية هذه متوقعة. فقد حَذَّر بعض خبراء الاقتصاد، وأنا منهم، من العواقب المترتبة على دفع العولمة الاقتصادية إلى ما وراء حدود المؤسسات التي تتولى تنظيم الأسواق وتثبيت استقرارها ومنحها الشرعية. وكان الإفراط في عولمة التجارة والتمويل، بهدف خلق أسواق عالمية متكاملة بسلاسة، سبباً في تمزيق المجتمعات المحلية.
كما تعمل العولمة على إبراز الانقسامات الطبقية وزيادتها حدة بين أولئك الذين يملكون المهارات والموارد اللازمة للاستفادة من الأسواق العالمية وأولئك الذين لا يملكون. وتقليدياً، كانت الانشقاقات في الدخل والطبقة، على النقيض من انشقاقات الهوية القائمة على العِرق أو الدين، تعمل على تعزيز اليسار السياسي. لماذا إذن عَجَز اليسار عن تشكيل أي قدر يُذكَر من التحدي السياسي للعولمة؟
تتلخص إحدى الإجابات في أن الهجرة طغت على "صدمات" العولمة الأخرى. إذ يُفضي التهديد المتصور الذي تفرضه التدفقات الجماعية من المهاجرين واللاجئين من الدول الفقيرة وتقاليدهم الثقافية الشديدة الاختلاف إلى تفاقم انقسامات الهوية التي استغلها ساسة اليمين المتطرف بإتقان غير عادي. ليس من المستغرب إذن أن يربط الساسة اليمينيون من ترامب إلى مارين لوبان رسالتهم في التأكيد على النزعة الوطنية بجرعة غنية من الرمزية والعداء.
* أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كلية جون كينيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد