الواقع أن قائمة المشاكل التي تواجه أوروبا اليوم طويلة، ولكن هذه الحال ليست غير مسبوقة. بل إن الظروف المعاصرة تبدو في كثير من النواحي مشابهة إلى حد مذهل لتلك الظروف التي واجهت ألمانيا في عهد أوتو فون بسمارك.
كان مكمن الخوف أن تعمل الأقليات الكاثوليكية في الجنوب على تقويض وحدة الإمبراطورية الألمانية المؤسَّسَة حديثاً، والتي تسعى إلى جلب الاستقرار برغم صعود الحزب الاشتراكي الراديكالي، بعد سلسلة من الحروب الدموية. كانت ألمانيا واقعة بين روسيا الإمبريالية وفرنسا الانتقامية. ومن ناحية أخرى، كانت بريطانيا متورطة في مغامرات عسكرية في آسيا والشرق الأوسط.
واليوم، بينما تواجه أوروبا تساؤلات صعبة حول مستقبلها، فربما يكون من المفيد أن نتذكر تجربة ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر. وإذا كان الأمر كذلك، فليس هناك من دليل لتلك التجربة ــ وتجربتنا ــ أفضل من فريدريك نيتشه الذي كان واحداً من أكثر المفكرين إدراكاً وبصيرة في عصره. كان نيتشه ناقداً عنيفاً لسياسة القوة، «الدم والحديد» التي استخدمها بسمارك لتحقيق الوحدة الألمانية.
وقد وصفها بكونها «مثالاً لأخلاق العبيد» التي هاجمها بشدة في عمله العظيم «في أصل الأخلاق» ــ فهي تمثل نهجاً «وضيعاً» في التعامل مع الأخلاق ويركز ببساطة على تخفيف المعاناة.
كان نيتشه يدرك تمام الإدراك عن أي شيء يتحدث: فقد تطوع كضابط في سلاح الفرسان خلال الحرب الفرنسية الروسية. ورغم أن سقطة مؤذية منعته من المشاركة في القتال، فإنه خدم كمساعد ممرض ــ واكتسب خبرة مباشرة من صدمة الحرب.
وفي كتابه «وراء الخير والشر»، ذهب نيتشه إلى ما هو أبعد من ذلك، فاستكشف كيف قد تبدو هيئة النظام السياسي المتفوق ــ الذي يستند إلى «أخلاق السيد»، ويتجاوز المفاهيم التبسيطية الساذجة للخير والشر منتقلاً إلى تطوير القيم من موقف «أخلاق السيد». وقد تصور أوروبا الموحدة التي تقودها نخبة ثقافية أوروبية عابرة للحدود الوطنية تركز ليس على العَظَمة بل على تطوير ثقافة أوروبية جديدة.
* مُحاضِر في كمبريدج، ومؤلف كتاب «سياسة نيتشه العظيمة»