تُرى ما هو تعريف الإنسان الحديث؟ الإجابة البيولوجية بسيطة: فهو أحد أفراد نوع الـ«هومو سيبيان» (الإنسان العاقل) الذي تميز بخصائص مثل الدماغ الكبير نسبياً الذي يستقر داخل جمجمة كروية، ونتوء صغير لعظم الحاجبين فوق العينين، ووجه صغير منسحب، وذقن بارز على الفك السفلي، وهيكل عظمي خفيف البنية.

ولكن هناك العديد من العوامل الأخرى ــ مثل المجتمعات المعقدة، والطقوس، والمعتقدات الروحية والدينية، والفنون، والموسيقى، والتكنولوجيا، واللغة ــ التي تميز أيضاً المجتمعات البشرية الحديثة. ولكن أي الخصائص تعتبر حاسمة في تعريف «الإنسان الحديث»، وإلى أي زمن في الماضي يمكن إرجاع هذا التصنيف؟

نظراً لتطور الخصائص المورفولوجية (المتعلقة بالبنية والشكل) والسلوكية بمعدلات مختلفة، فإن الإجابة عن هذا السؤال تُعَد مصدراً للجدال. والواقع أن علماء الأحياء القديمة (الأحافير أو المتحجرات) الذين يدرسون الأصول البدنية الفيزيائية للإنسان العاقل سوف يختلفون حتماً عن علماء الآثار الذين يعيدون بناء السلوك القديم حول ما يشكل الإنسان الحديث المبكر.

إن الاكتشافات الحديثة التي توصلت إليها علوم المتحجرات وعلوم الآثار وبشكل خاص العلوم الجينية، حول أوجه الشبه المذهلة بين البشر الحاليين وبعض المجموعات السكانية القديمة، تزيد من تعقيد محاولات تقييم أصول الإنسان الحديث. وتتلخص إحدى الأفكار الرائدة في أن أسلاف الإنسان الحديث البدائيين، «هومو إيريكتاس» (الإنسان المنتصب)، تركوا قارة أفريقيا قبل ما يقرب من مليوني سنة، وتفرقوا إلى مناطق أخرى من العالم.

ولكن الأدلة تشير أيضاً إلى أن بعض أفراد جماعة النياندرثال كانوا يدفنون أمواتهم ومعهم أغراض مهمة (بنود يفترض أن المقصود منها كان مساعدة المتوفى في العالم الآخر)، وأنتجوا أدوات معقدة (مثل الدروع الحجرية المطلية بمادة المصطكاء الصمغية)، وطوروا رموزاً شخصية (بما في ذلك أصباغ أكسيد المنجنيز وقلادات مصنوعة من أسنان الحيوانات). ومن الواضح أنهم استخدموا أيضاً نباتات ذات خصائص طبية.

* مدير بحوث أصول الإنسان في متحف التاريخ الطبيعي في لندن