في خضم المناقشات الدائرة حول دورها في المستقبل، لا ينبغي لجامعات أوروبا أن تغفل عن هويتها الفردية، وتقاليدها، وإحساسها بالغرض الاجتماعي. ولن يكون هذا بالأمر السهل؛ فالإداريون في الجامعات يواجهون ضغوطاً من فوق ــ من قِبَل المؤسسات الأوروبية والحكومات الوطنية ــ ومن باحثيها ومعلميها وطلابها.

وقد أصبحت معالم المناقشة فضلاً عن ذلك ضبابية. فمن ناحية تلتزم الجامعات باتفاقيات طويلة الأجل مع الحكومة؛ ولكنها من ناحية أخرى تواجه إصلاحيين متحمسين يسعون إلى فرض حلول تستند إلى السوق وتؤكد المنافسة بين المؤسسات، وتشجع هيئة العاملين والطلاب على الحركة والانتقال.

ومن الواضح أن وجهات النظر هذه تولد عواقب بالغة الاختلاف تؤثر على مستقبل الجامعات. تقليدياً، كانت الجامعات تتولى البحث وتوفير التعليم المهني، وتعرض على الشباب في البلاد أساساً ثقافياً يدخلون به المجتمع الواقعي. واليوم يبدو أن كل هذه الأهداف لم تعد مؤمَّنة.

ولكن ليس كل الجامعات الأوروبية تعتبر نفسها مؤسسات بحثية في الأساس. فالعديد منها تفضل التركيز على إعداد طلابها لعالم العمل. ورغم هذا فإن المهارات المطلوبة الآن خارج الأوساط الأكاديمية تتغير بسرعة كبيرة حتى إن الجامعات قد تجد صعوبة كبيرة في إقران المهارات المعرفية العامة التي تدرس في حجرات الدرس ــ مثل التفكير الانتقادي والتحليلي وحل المشاكل والكتابة ــ بالخبرات المهنية المطلوبة على نحو متزايد في سوق العمل.

وكانت الجامعات تتولى أيضاً مهمة تتعلق بالخدمات العامة: تزويد الطلاب بأسس ثقافية للحياة. وقد يبدو هذا الغرض مثيراً للجدال على نحو متزايد في المجتمعات الغربية التعددية، ولكن الجامعات لا بد أن تزود طلابها على الأقل بفهم للنماذج والتاريخ والأسس الفلسفية التي تمنحهم القدرة على مناقشة هذه القضايا.

أياً كان المسار الذي تسلكه جامعات أوروبا، فإن الحفاظ على هوية متميزة في مواجهة التغيرات العالمية وإصلاح التعليم سوف يصبح أمراً متزايد الصعوبة.

*رئيس مركز بحوث التحليل الاجتماعي السياسي في مدريد