رغم تصوير الشراكة عبر المحيط الهادئ على أنها اتفاقية تجارية فإنها لا تدور حتى حول التجارة حقا. فالعديد من البلدان المشاركة في الشراكة عبر المحيط الهادئ هي بالفعل من أكثر الاقتصادات انفتاحاً، مع تحرير أغلب تجارة السلع فيما بينها بالفعل من خلال اتفاقيات سابقة ومبادرات من جانب واحد. وتشمل القيود التجارية الرئيسية المتبقية الحواجز غير الجمركية، مثل إعانات الدعم الزراعية في الولايات المتحدة، والتي لا تعالجها اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ.

وبدلا من ذلك، تعمل أكثر بنود الشراكة عبر المحيط الهادئ أهمية على تعزيز وتوسيع نطاق وتمديد حقوق الملكية الفكرية. وهذا من شأنه أن يعطي شركات الأدوية احتكارات أطول أمداً للأدوية المسجلة ويمنع الخيارات الأرخص ــ الأدوية السائبة مثلاً ــ من الوصول إلى الأسواق، وهو ما من شأنه أن يلحق الأذى بالمستهلكين والحكومات التي تقدم إعانات الدعم.

علاوة على ذلك، تعمل الشراكة عبر المحيط الهادئ على إضعاف التنظيم الوطني، على الخدمات المالية على سبيل المثال، وتعزيز حقوق المستثمرين الأجانب، على حساب الشركات المحلية والمصلحة العامة. وتسمح البنود الخاصة بتسوية المنازعات بين المستثمرين والدول للمستثمرين الأجانب باستغلال التحكيم الخاص الملزِم ضد الحكومات إذا تسببت قواعد تنظيمية جديدة في تقليل أرباحهم المتوقعة في المستقبل. كان أنصار الشراكة عبر المحيط الهادئ يبالغون بشكل صارخ لسنوات في تقدير وعرض الفوائد المتوقعة من هذه الاتفاقية، في حين هونوا في الوقت نفسه من مخاطرها وتكاليفها الباهظة المحتملة، وأغلبها سوف يتحملها المواطنون العاديون. وحقيقة الأمر هي أن الشراكة عبر المحيط الهادئ لن تخلف أي تأثير ملموس يُذكَر على الناتج المحلي الإجمالي، وستقتصر كل فوائدها تقريباً على الشركات، هذا فضلاً عن تقييدها الشديد للحيز السياسي الذي تحتاج إليه الحكومات لدفع عجلة التنمية الاقتصادية وحماية المصلحة العامة.

* أمين عام مساعد للتنمية الاقتصادية في الأمم المتحدة سابقاً