كمثل طالب بلطجي في المدرسة، تعتبر الصين دولة كبيرة وقوية، لكن ليس لديها أصدقاء كثيرون. في الواقع، وبما أنها انضمت أخيراً، للولايات المتحدة لتطبيق عقوبات دولية جديدة على كوريا الشمالية، الدولة التي كانت تابعة لها، فقد بقي للصين حليف حقيقي واحد فقط: باكستان. ولكن نظراً لمدى استغلال الصين لجارتها الصغيرة - ناهيك عن الفوائد التي تجنيها من جيرانها الآخرين - يبدو أن القادة الصينيين راضون عن الوضع بشكل كبير.
وأعلن وزير الخارجية الصيني وانغ يي أن الصين وباكستان «صديقتان وقريبتان جداً»، وذلك بسبب الروابط الجغرافية. وصرحت الحكومة الصينية أيضاً بأن باكستان «تعتبر دولة صديقة لا غنى عنها في جميع الأحوال». وكثيراً ما يفتخر البَلدان «بالأخوة الحديدية التي تربطهما»..
وفي عام 2010، كتب رئيس الوزراء الباكستاني سيد يوسف رضا جيلاني في ذلك الوقت شعراً حول هذه العلاقة، واصفاً إياها بأنها «أطول من الجبال وأعمق من المحيطات، وأقوى من الفولاذ، وأحلى من العسل».
لكن في الواقع، لدى الصين الغنية القليل من القواسم المشتركة مع باكستان التي تعتمد على المساعدات، بصرف النظر عن أن كلا الدولتين غير مقتنعتين بالحدود القائمة مع البلدان المجاورة. لكنهما رغم ذلك، لهما مصلحة مشتركة في احتواء الهند. وبالتأكيد احتمال نشوب حرب على جبهتين سيقوي هذا الاهتمام، ولاسيما إذا دخلت الهند في صراع مع أحد البلدين.
بالنسبة للصين، ما يحفزها إلى التعاون مع باكستان هو قدرتها على التعامل مع البلاد كزبون، بدلاً من شريك فعلي.
في الواقع، تعامل الصين باكستان كحقل للتجارب، تبيع لها أسلحة لا يستعملها الجيش الصيني ومفاعلات نووية قديمة أو غير مجربة. وتقوم باكستان حالياً بإنشاء مفاعلات AC-1000 - بناءً على نموذج اقتبسته الصين من التصاميم الفرنسية، لكنها لا تتوافر على منشأة عسكرية بعد - بالقرب من مدينة كراتشي الجنوبية.
لكن الصين لا تحتاج أن يكون «شقيقها» المفترض قوياً ومستقراً. على العكس من ذلك، استفادت الصين من تصاعد التطرف الجهادي في باكستان، إذ استغلتها كذريعة مثالية لتعزيز مصالحها الاستراتيجية داخل حدود جارتها. بالفعل، نشرت الصين آلاف الجنود في الجزء الباكستاني من كشمير، وذلك بهدف تحويل باكستان إلى ممر بري إلى الخليج العربي والمحيط الهندي.
وكما أوضح تقرير لوزارة الدفاع الأميركية صدر حديثاً، من المحتمل أن تستضيف باكستان «الزبون الرئيسي للصين بالنسبة للأسلحة التقليدية»، المركز البحري الصيني الذي يعزز قوتها في منطقة المحيط الهندي.
وهذا ليس كل شيء. فقد أسفرت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ الأولى لباكستان، العام الماضي، عن عقد اتفاق لبناء «ممر اقتصادي» بمبلغ 46 بليون دولار يمتد من منطقة شينجيانغ المضطربة في الصين إلى ميناء جوادار الذي قامت الصين ببنائه (وهي المسؤولة عن إدارته) في باكستان.
ويتكون هذا الممر من سلسلة من مشروعات البنية التحتية، وسيكون بمثابة حلقة وصل بين «طرق الحرير» البحرية والبرية التي تقوم الصين بإنشائها حالياً.
كما وقع الرئيس شي عدة صفقات تخص مشروعات الطاقة الجديدة، بما في ذلك 1.4 بليون دولار خاص بمشروع بناء سد كاروت، أول مشروع يتم تمويله من قبل صندوق «طريق الحرير» في الصين الذي يبلغ مجمله 40 بليون دولار.
وستكون جميع مشروعات الطاقة في ملكية الصين، مع التزام الحكومة الباكستانية بشراء الكهرباء من الصين بمعدل محدد مسبقاً. وبهذا تعززت مكانة باكستان كشريك اقتصادي وأمني للصين، الشيء الذي يمنعها في النهاية من اقتداء ميانمار وسريلانكا أو اتباع مسار غير صيني.
وبصراحة، تقدم الصين لباكستان الضمانات الأمنية والحماية السياسية، وخاصة التغطية الدبلوماسية في الأمم المتحدة. فعلى سبيل المثال، رفضت الصين أخيراً، قرار الأمم المتحدة لمناهضة مسعود أزهر، الرئيس الباكستاني للجماعة المتطرفة جيش محمد، والتي تدعمها الاستخبارات الباكستانية.
والتي نفذت عدة هجمات إرهابية على أهداف هندية، بما في ذلك قاعدة جوية باثانكوت في أول هذا العام. وقال سرتاج عزيز، مستشار السياسة الخارجية لرئيس الوزراء الباكستاني الشهر الماضي، إن الصين ساعدت باكستان لمنع محاولة الهند التي تدعمها الولايات المتحدة، من الحصول على عضوية مجموعة المزودين النوويين، وهي جمعية لمراقبة الصادرات.
واعترافاً بالجميل، منحت باكستان الصين، الحقوق الحصرية لتشغيل ميناء جوادار على مدى السنوات الأربعين المقبلة. كما أنشأت فرقة من الجيش تتكون من 13.000 من القوات الجديدة لحماية الممر الاٍقتصادي الناشئ. وقد نشرت عدداً من قوات الشرطة لحماية المواطنين الصينيين ومواقع البناء من المسلحين القَبَليين والمقاتلين الإسلاميين.
لكن هذا لا يعني أن الصين تعتمد كلياً على قوات الأمن الباكستانية. فقد تمركزت القوات الصينية الخاصة في الجزء الباكستاني من كشمير لسنوات، بدعوى حماية المشاريع الاستراتيجية الجارية هناك، وهذا ينم عن عدم ثقتها في الترتيبات الأمنية الباكستانية، وتشير إلى أن الصين ستواصل توسيع وجودها العسكري في باكستان.
غير أن السلوك الباكستاني يشير إلى أنها الآن سعيدة باتفاقياتها مع الصين، وهو شعور يَتعزز، ربما عن غير وعي، من خلال مليارات الدولارات من المساعدات التي تتلقاها سنوياً من الولايات المتحدة.
كما تواصل الصين شق طريقها نحو الاقتصاد والسياسة الباكستانية، ما حول البلاد بشكل متزايد إلى موقع استيطاني استعماري، وهذا الشعور بالرضا ربما سيتلاشى مستقبلاً. ولكن عند حدوث ذلك، سيكون قد فات الأوان لتغيير المسار.
*أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز مقره نيودلهي لأبحاث السياسات وزميل في أكاديمية روبرت بوش في برلين، وهو مؤلف لتسعة كتب، بما في ذلك «طاغوت آسيا، الماء: ساحة المعركة الجديدة في آسيا»، و«الماء والسلام والحرب: مواجهة أزمة الماء العالمية».
