عندما يتفاوض الناس وعندما تتفاوض الدول، فإن الحديث يدور عادة حول المصالح، وكأن المصالح هي المسألة الوحيدة القادرة على تمكين الأطراف من التوصل إلى اتفاق.
عندما يتخيل المرء عدد القضايا الواجب النظر فيها، فسوف يتبين له بوضوح أن التفاوض يشكل نمطاً من التواصل ينطوي على ما هو أكثر من المصالح. فمن المؤكد أن المبادئ والأخلاقيات والاحترام البسيط للحقيقة من الأمور التي لابد وأن تساهم في توجيه الاتفاق بقدر ما تساهم المصالح في توجيهه.
قد يزعم البعض أن المفاوض الناجح لا يحتاج إلا للبراعة ــ القدرة على استخدام المبادئ لإخفاء المصالح الشخصية الحقيقية. وإذا كان هذا صحيحاً، فإن الولايات المتحدة كانت محقة عندما شنت حرباً ضد العراق على أساس التهديد الذي فرضه نظام صدّام حسين. ولكن بات من المقبول الآن على نطاق واسع أن الطريقة التي سلكت بها الولايات المتحدة طريقها إلى الحرب كانت خاطئة ــ وكلفتها قدراً عظيماً من مصداقيتها كشريك في المفاوضات.
الواقع أن الولايات المتحدة كثيراً ما تدعم المبادئ العليا، مثل الحرية والديمقراطية، وتدمج هذه المبادئ بنجاح في سياستها الخارجية. ففي دفاعه عن المساعدات الاقتصادية لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ألقى الجنرال جورج مارشال، وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك، خطاباً ملهماً قال فيه إن سياسة الولايات المتحدة ليست موجهة ضد "أي دولة أو عقيدة، بل ضد الجوع والفقر واليأس والفوضى". وكانت خطة مارشال قائمة على المبادئ بقدر ما كانت حريصة على حماية مصالح الولايات المتحدة.
ينبغي للدول والشعوب أن تكف عن مناقشة المصالح التي تُفَرِّقها غالباً وأن تبدأ في مناقشة المبادئ التي توحدها. وما دام هذا النوع من التواصل يُدار بصدق وفي إطار من احترام القيم والقواعد والحقائق الموضوعية، فإن المفاوضات سوف تكون قادرة على تحقيق الإجماع والاتفاق.
* باحث في جامعة بانتيون