يُعرِب الساسة الأميركيون دوماً عن فجيعتهم في التجارة باعتبارها عدو الطبقة المتوسطة، والمصدر الرئيسي للضغوط المفروضة على الوظائف والأجور. ولم تكن الحملة الانتخابية الرئاسية الحالية استثناء: فالجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء يصوبون سهامهم نحو الصين والشراكة عبر المحيط الهادئ، على اعتبار أنهما سبب بلاء العمال الأميركيين المنكوبين. ورغم أن هذا التفسير ربما يكون ملائماً على المستوى السياسي فإن الحقيقة تكمن في مكان آخر.
يتمثل النهج الحصيف في إيجاد توازن أفضل بين الادخار والإنفاق. ويشكل هذا أهمية خاصة للولايات المتحدة والصين، اللتين تمثلان معاً حصة غير متناسبة من الفوارق في الادخار على مستوى العالم. الأمر ببساطة أن أميركا تحتاج إلى زيادة الادخار وتقليل الاستهلاك، في حين تحتاج الصين إلى تقليل الادخار وزيادة الاستهلاك. ولكي تتحقق هذه الغاية، يتعين على كل منهما أن تتغلب على العقلية السائدة المتحجرة.
وبقدر ما تحقق الصين تقدماً على الطريق نحو إعادة التوازن بقيادة المستهلك، فسوف تتحول من فائض الادخار إلى امتصاص الادخار. والولايات المتحدة، التي ظلت لفترة حبيسة علاقة اقتصادية مع الصين ، لا يجوز لها أن تتجاهل هذا التحول. فإلى جانب تراجع فائض الحساب الجاري والفائض التجاري، من المرجح أن ينطوي تحول الصين إلى امتصاص الادخار بقيادة المستهلك على تقلص المتراكم من احتياطيات النقد الأجنبي وتقلص إمكانية إعادة تدوير هذه الاحتياطيات إلى أصول مقومة بالدولار .
وبقدر ما تفشل أميركا في تعزيز الادخار المحلي، فإن الافتقار إلى رأس المال الصيني ربما يرغم الولايات المتحدة على تكبد سعر أعلى للتمويل الخارجي من خلال إضعاف قيمة الدولار؛ ورفع أسعار الفائدة الحقيقية، أو الأمرين معاً. هذه هي المزالق الكلاسيكية المترتبة على الاعتماد المتبادل: عندما يغير أحد الشريكين العلاقة، يتحمل الآخر عواقب حتمية.
* عضو هيئة التدريس في جامعة ييل