إن الحوار السياسي الذي جرى أخيراً على جانبي المحيط الأطلسي قد أثار سؤالاً مزعجاً، والذي أصبح من الصعب على نحو متزايد تجاهله: هل انقلبت الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا على سياسات الانفتاح والتي أدت تاريخياً لنجاحها الاقتصادي؟
في الولايات المتحدة الأميركية يشن دونالد ترامب المرشح الجمهوري المفترض للرئاسة حربا شفهية على كل اتفاقية تجارية تقريبا أبرمتها بلاده، ولقد هدد بتمزيق اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية الناجحة جدا، وتعهد بمنع أية محاولة لإحراز تقدم فيما يتعلق باتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي والتي تم الانتهاء منها أخيراً.
لو أصبحت آراء ترامب جزءا من برنامج الحزب الجمهوري فإن التحول سيعيد رسم المشهد السياسي فيما يتعلق بالتجارة الحرة فالجمهوريون كانوا تقليديا حملة لواء التجارة الحرة في الولايات المتحدة الأميركية وذلك على النقيض من الحزب الديمقراطي الذي كان يتوجب عليه التعامل مع الأصوات المشككة في نقابات العمال والتي تشكل جزءا من ناخبي الحزب الديمقراطي.
وفي الوقت نفسه يبدو أن الخصم المحتمل لترامب في الانتخابات العامة هيلاري كلنتون قد طوت العلم وتبنت على أقل تقدير جزءاً من الخطب المعادية للتجارة لترامب وخصمها في الانتخابات التمهيدية من الجناح اليساري بيرني ساندرز وفجأة انقلبت هيلاري كلينتون على اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي على الرغم من دعمها لها سابقا وهي تعارض خطة الرئيس الأميركي باراك أوباما غير المؤكدة للمصادقة عليها من قبل الكونغرس مباشرة بعد انتخابات نوفمبر.
إن هذا التصرف لم يسبق له مثيل فلم يحدث من قبل أن يثير المرشحان الرئيسيان للرئاسة الأميركية مثل تلك المخاوف بأن التجارة الحرة ستقوض الازدهار الأميركي، وبغض النظر من هو المرشح الذي سيفوز في نوفمبر فإن من المرجح أن تكون العواقب وخيمة.
أما في أوروبا فإن الوضع أفضل بقليل فقط، فلقد كان كامل الطيف السياسي في النمسا ضد اتفاقية الشراكة عبر الأطلسي للتجارة والاستثمار بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، كما يبدو أن الرأي العام يمر بتحول مماثل في ألمانيا وهي بلد يدين بازدهاره لنجاحه في الأسواق العالمية وحتى في هولندا والتي كانت التجارة الحرة جزءا من حمضها النووي (ويصعب عليها العيش بدونها) فلقد ارتفعت أصوات النشطاء الذين هددوا بعقد استفتاء على رفض أية صفقة تجارية عبر الأطلسي.
نظرا لتاريخ الغرب فإن هذه تطورات معقدة ومربكة، فلقد بدأ الصعود الأوروبي عندما بدأت السفن الأوروبية باستكشاف العالم بحثا عن أسواق وفرص جديدة ولقد عكس ذلك ليس فقط الثروة المتصاعدة، ولكن أيضا الابتكار، علماً إن فتح الأسواق يعني بالضرورة انفتاح العقول.
وبطريقة مماثلة فلقد كان أمن الغرب خلال العقود التي مرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مبنياً أولاً وقبل كل شيء على النجاح الاقتصادي للولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية واليابان وهو نجاح تحقق بفضل التكامل والتجارة والابتكار، وطبقا لكل مؤشر تقريبا فإن النمو المذهل في التجارة خلال الربع القرن الأخير قد أعطى البشرية بعضا من أفضل العقود التي شهدتها على الإطلاق.
ولهذا السبب من المستحيل تخيل تحقيق أهداف تنمية عالمية طموحة بدون وضع التجارة الحرة والعولمة في قلب الاستراتيجية. لو انقلب الغرب بعد فقدانه ثقته بنفسه على الممارسات التي جعلته ناجحا فإذاً ماذا سيحل بالدول الفقيرة والنامية؟
لحسن الحظ، لم نخسر كل شيء بعد ولكن إنقاذ أجندة التجارة الغربية سيتطلب قيادة استثنائية ومثابرة. ستكون هذه سنة حاسمة فاتفاقيات التجارة التي تضم الولايات المتحدة الأميركية وآسيا وأوروبا تعتبر مهمة ليس فقط فيما يتعلق بالبضائع التقليدية ولكن أيضا بالنسبة للتدفق الحر للبيانات وبينما التجارة في السلع المادية تظهر دلائل على الركود فلقد زاد تدفق البيانات بمعامل 45 خلال العقد الماضي.
لو تمكن أوباما من المصادقة على اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي والتوصل لنتائج في المفاوضات المتعلقة باتفاقية الشراكة عبر الأطلسي للتجارة والاستثمار فإنه يكون بذلك قد وضع الأسس لإحراز تقدم مستقبلي ولو فشل في أي من المهمتين- أو كلتيهما على نحو كارثي- فإن العالم سيواجه مستقبلا أكثر غموضا.
إن القادة السياسيين الذين لا يزالون يؤمنون بالغرب يجب أن ينذروا أنفسهم للدفاع عن التجارة الحرة وبناء عالم أكثر انفتاحا، ويجب أن يفعلوا ما بوسعهم من أجل منع تطبيق الإجراءات الحمائية وإقامة الحواجز في وجه العولمة.
* تولى موقع وزير خارجية السويد من 2006 وحتى أكتوبر 2014 ورئيس الوزراء من 1991 إلى 1994 وذلك عندما فاوض على انضمام السويد للاتحاد الأوروبي.
