يبدو أن قسماً كبيراً من الساحة الجيوسياسية يتبع الحبكة الروائية للدراما التلفزيونية «لعبة العروش»، حيث ترزح بلدان عديدة تحت وطأة الضغوط السياسية والاقتصادية حتى يصبح أملها الوحيد أن ينهار خصومها قبل أن تنهار هي. ولهذا، تتشبث حكومات هذه البلدان بالسلطة في حين تستغل نقاط الضعف الداخلية لدى الخصوم.

ويُعَد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مثالاً في الصميم في هذا السياق. فقد تبدو حملاته الأخيرة في سوريا وأوكرانيا أشبه بتصرفات قرصان جيوسياسي. ولكن أصل هذا النزوع إلى المغامرة يرجع إلى الضعف الداخلي، ويأمل بوتين بدوره أن يظل اقتصاد روسيا طافياً لفترة كافية لانهيار أوكرانيا. وفي التعجيل بهذه العملية، لم يدخر الكرملين جهداً لزعزعة استقرار البلاد: فأطلق توغلات عسكرية، وانخرط في حرب المعلومات.

كذلك يرى بوتين أن الاتحاد الأوروبي يعاني من نفس العيوب التي شابت الاتحاد السوفيتي في الماضي، معتبراً إياه مشروعاً متعدد الجنسيات مغرقاً في المثالية ولابد أن ينهار تحت وطأة تناقضاته، ولم يكتف بوتين بأوروبا. فبعد أن أسقطت القوات التركية طائرة حربية روسية في نوفمبر، تبنى سلسلة من التدابير الرامية إلى زعزعة الاستقرار في تركيا من الداخل.

إن محاولة إضعاف الخصم ــ حتى برغم خطر إلحاق الأذى بالنفس ــ تكتيك مألوف في عالم الأعمال، حيث تخوض الشركات حروب الأسعار، على أمل إفلاس منافسيها أولا وخروجهم من الصناعة. ولكن هذا التكتيك كان أقل شيوعاً على الصعيد الجيوسياسي.

في كتابه الصادر عام 1992 بعنوان «نهاية التاريخ والرجل الأخير»، زعم فرانسيس فوكوياما أن العالَم بلغ نهاية التطور الاقتصادي الاجتماعي. وقد خلص إلى أن الديمقراطية الليبرالية هي «الرجل الأخير»، أو نقطة نهاية هذا التطور. ثم تبين أنه كان مخطئاً على طول الخط. فاليوم، لم يعد بوسع القوى العظمى في العالم أن تزعم أنها الرجل الأخير؛ ولا يسعها إلا أن تأمل أن تكون الرجل الأخير الصامد.

* مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية