أصبح مسار النقاش العام متشابهاً بشكل يبعث على الكآبة، فعادة ما يبدأ بمفاجأة فعلى سبيل المثال دونالد ترامب، قطب العقارات والذي أصبح نجم تلفزيون الواقع يتحدى الصعاب ليصبح المرشح الرئاسي المفترض للحزب الجمهوري الأميركي وعندئذ يتدخل النقاد ويتساءلون لماذا حصل ذلك ؟ وماذا يعني ذلك ؟ وما الذي سيحصل بعد ذلك ؟
وبعد مدة يتم الكشف عن المستقبل الذي كان موضوع المناقشة وفي عالم مثالي يقر كل شخص بأية توقعات ثبتت صحتها والدروس المستفادة وسيغير الناس تفكيرهم على هذا الأساس وسنصبح جميعا أكثر حكمة.
لكن هذا ليس عالما مثاليا وفي أحيان كثيرة بدلاً من تعلم الدروس فإن النقاد يستمرون بالجدل حيث يشككون بما حصل ويختلفون من الذي توقع نتيجة معينة ولا تتغير الآراء بحيث لا نصبح أكثر حكمة.
بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن بإمكاننا عمل ما هو أفضل فإن أحد الحلول هو عمل رهانات على توقعاتنا ففي أوائل سنة 2014 قام الاقتصاديان تايلر كوين وبريان كابلن بعمل ذلك، فلقد كان كوين متشائما فيما يتعلق بالبطالة في الولايات المتحدة الأميركية وعليه راهن كابلن بأن المعدل لن ينخفض عن 5% خلال العشرين سنة القادمة وبعد عامين انخفضت البطالة لتصل إلى 4،9% وحقق كابلن بذلك نصرا واضحا.
إن هذا النوع من الوضوح هو بالضبط ما يسعى الرهان على التوقعات للحصول عليه فلو لم نتحدّ النقاد فسيلجأون عادة لاستخدام لغة غامضة مثل «سوف تبقى البطالة مرتفعة لسنوات» أو دعم ترامب سوف يهبط بشكل كبير. إن هذه التوقعات تبدو جيدة على التلفزيون ولكنها لا تؤدي لنتيجة حاسمة ويمكن التحقق منها (كم سنة في جملة عدة سنوات ؟ كم نسبة الهبوط المتوقعة حتى يكون الهبوط كبيرا؟).
إن الرهانات تجبر الطرفين على الاتفاق على بنود محددة، وذلك حتى يتضح للجميع من كان صائبا ومن كان مخطئا.
إن الغرض من الرهان بالطبع هو ليس الإعلان من الرابح ومن الخاسر، بل استبدال نقاشات عديمة الفائدة ولا تنتهي بحكم واضح يحدد من هو الطرف الذي فهمه للواقع هو الأقرب للحقيقة، علما أن الهدف النهائي هو جعلنا جميعا أكثر حكمة، ولكن للأسف عندما يتعلق الأمر بتحقيق هذا الهدف، فشل الرهان باستمرار في تحقيق ذلك.
لو نظرنا لرد كوين على خسارته للرهان مع كابلن لوجدنا أنه أقر بسرعة أنه خسر طبقا لبنود الرهان ولكنه مع ذلك أصر بأن هذا لم يثبت أن كابلن كان محقاً، فلقد لاحظ كوين بأنه بينما انخفض معدل البطالة فإن النسبة والتناسب بين البطالة وعدد السكان بالكاد تزحزحت وفي تقييمه للنتيجة خلص كوين إلى نتيجة مفادها «أنا أشعر إنني أنا الذي فزت بالرهان» مما يعني إن رهانهم لم يحسم أي شيء.
للأسف هذا ما يحصل عادة عندما يعمل الناس رهانات بسيطة تتعلق بقضايا معقدة ففي سنة 1980 عمل عالم الأحياء بول ايرليخ والاقتصادي جوليان سايمون رهانا شهيراً آخر يتعلق بسعر خمسة معادن بعد عشر سنوات ولقد انتهى الرهان بنصر واضح لسايمون ولكن ايرليخ استخف بالنتيجة، وقال إنه لا معنى لها وفي الحقيقة لم يكن ايرليخ مخطئا فلو اختار العالمان سنة مختلفة للبدء بالرهان فلربما فاز ايرليخ.
المشكلة في مثل تلك الرهانات أنها بسيطة جدا لدرجة أنها لا تستطيع تسوية النقاشات المعقدة التي تكمن وراءها فحفنة من أسعار المعادن لن تستطيع تسوية الجدل الكبير بين نظرية مالثوس ونظرية كورنوكوبيا، كما لا يمكن أن نعتبر نقطة بيانات واحدة للبطالة كحل نهائي للخلاف بين كوين وكابلن، إن الحل في أن نأخذ الرهانات بشكل أكثر جدية بكثير، وأن نوسعها ونصممها بحيث تستطيع تسوية الجدل بما يرضي أكثر المراقبين منطقية.
كان يتوجب على كوين وكابلن عدم الاعتماد على معدل البطالة فقط، فلقد كان يتوجب عليهم تضمين النسبة والتناسب بين البطالة وعدد السكان وغيرها من المقاييس التي اتفقوا أن يكون لها قيمة تشخيصية. لقد كان يتوجب على إينرليخ وسايمون أن يعملوا تشكيلة واسعة من التوقعات المتعلقة بأسعار المعادن وإنتاج الغذاء ونوعية الهواء وغيرها من العوامل الأخرى.
إن من الطبيعي أن استخدام العديد من الأسئلة قد ينتج عنه قرارات منقسمة ولكن لو كان هدفنا هو التعلم فإن هذا يعتبر ميزة وليس خطأ. إن قرارا منقسما يوحي بأن فهم المراهن للواقع ليس دقيقا تماما وبأن الحقيقة تكمن في مكان ما في الوسط وهذا نتيجة تنويرية وخاصة عندما تهيمن على النقاشات العامة المواقف المتطرفة – الاشتباك بين ايرليخ وسايمون هو مثال كلاسيكي واضح على ذلك.
بالطبع لا شيء من هذا ممكن لو كان المشاركون غير راغبين في التفكير معا في كيفية تسوية خلافهم وهذا لن يكون سهلا على الدوام. لقد فكر سايمون وايرليخ بعد رهانهم الشهير بعمل رهان ثاني يتضمن سلة ضخمة من القياسات ولكن هذا لم يحصل وهذا يعود جزئيا إلى الكراهية الشخصية بين الرجلين.
إن ما نحتاجه هو طرف محايد ومحكم علما أن مراكز الأبحاث على سبيل المثال في وضع جيد يؤهلها للعب مثل هذا الدور، ولكن بغض النظر عن المصاعب فإن نوعية النقاش العام ستستفيد بشكل كبير من رهانات منظمة بشكل جيد، فعندما يتعلق الأمر بالتعلم عن العالم فإن الرهانات المتعلقة بالنتائج هي أفضل من النقاشات التي لا تصل لنتيجة.
* أستاذ الديمقراطية والمواطنة وأستاذ الإدارة في جامعة بنسلفانيا
** صحافي ولقد ألفا معاً كتاب التنبؤات العظيمة: فن وعلم التوقع
مراكز الأبحاث هي المؤهلة للعب دور الحكم العادل

