أصبح توجيه الانتقادات الحادة في الآونة الأخيرة، إلى البنوك المركزية في الدول المتقدمة آخر صيحات الموضة. ويتلخص خط الهجوم الرئيسي في شيء أشبه بالجملة التالية: «كان صناع السياسات النقدية مفرطي النشاط منذ عام 2008، فتجاوزوا سلطاتهم وألحقوا الضرر بالاقتصاد. والواقع أن هذا السرد ــ الذي يحظى على نحو شديد الغرابة بنفس القدر من الشعبية بين خصوم إيديولوجيين لا يمكن التوفيق بينهم، مثل التحرريين (أنصار الإرادة الحرة) غير صحيح على الإطلاق.
ما فشل المنتقدون في فهمه هو أن البنوك المركزية الحديثة مسؤولة ليس فقط عن محاربة التضخم، بل وأيضاً الحفاظ على استقرار الأسعار في الأمد البعيد. ومثلها كمثل درجة حرارة جسم الإنسان، فقد ترتفع الأسعار إلى مستويات أعلى مما ينبغي أو تنخفض إلى مستويات أقل مما ينبغي دون أن تتسبب في إحداث مضاعفات خطيرة. ويتعين على البنوك أن تكون على نفس القدر من «النشاط» الذي تكون عليه عندما تكافح التضخم المرتفع.
إن أية تدابير ترتبط بالسياسة النقدية تعيد توزيع الثروة. ومن المؤكد أن رفع أسعار الفائدة يُرضي المدخرين، في حين يشكل خفض أسعار الفائدة نعمة للمقترضين. ويفضل المستوردون أن يكون سعر الصرف قوياً؛ في حين يفضله المصدرون ضعيفاً. ولكي تكون منطقية على الإطلاق، فإن السياسة النقدية لابد أن تخلف تأثيرات مختلفة على مجموعات مختلفة في أوقات مختلفة. وهذا ليس خطأ، بل هو جوهر السياسة النقدية.
الحقيقة هي أن البنوك المركزية في العالم المتقدم نجحت ــ بطريقة مبهرة حقاً ــ في الحفاظ على استقرار الأسعار والقوة الشرائية للنقود أثناء وبعد الأزمة المالية العالمية. ولو لم تتدخل، فإن الاقتصاد في بلدان هذه البنوك المركزية كان لتواجه الانكماش الكارثي، والانهيار التام للقطاعات المالية والحقيقية. ومن الواضح أن الإجراءات القوية كانت الاستجابة الصحيحة للأزمة (أما مدى إسهام البنوك المركزية في اندلاع الأزمة فهو أمر آخر).
* نائب محافظ البنك الوطني التشيكي