لقد أصبحت لغة العضلات منتشرة بشكل متزايد في الجدل القائم عن كيفية مكافحة تهديد الإرهاب. إن مقدمي البرامج الحوارية التلفزيونية يطلقون تكهنات عن موعد تخليص الرقة في سوريا والموصل في العراق من سيطرة داعش، مما يوحي بأن تحرير تلك المدن سيؤذن على أقل تقدير ببداية النهاية للمشكلة، وفي ديسمبر ذهب المرشح الرئاسي للانتخابات الأميركية عن الحزب الجمهوري تيد كروز بعيداً جداً بآرائه لدرجة أنه استحضر شبح الضربات النووية، حيث قال: «أنا لا أعرف ما إذا كانت الرمال ستتوهج في الظلام، ولكننا سوف نكتشف ذلك».
إن مثل هذه التعليقات الرنانة والسطحية تستخف بشدة التحدي، وكما أشار التقرير الأخير لمجموعة الأزمات الدولية فإن تهديد المتطرف الذي نواجهه حاليا هو الرابع في سلسلة من الموجات المحفوفة بالمخاطر على نحو متزايد، ولو أردنا تجنب خلق موجة خامسة أكثر قوة فإن من الضروري أن نتعلم من الأخطاء التي قمنا بارتكابها في سعينا لمواجهة الموجات الثلاث السابقة.
لقد حصلت الموجة الأولى عندما عاد المقاتلون المتطوعون من الحرب ضد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان إلى أوطانهم، وبدأوا بمهاجمة الأنظمة التي اعتبروها غير مسالمة، وهذا أدى للموجة الثانية الأكثر فتكاً بكثير، حيث شنت القاعدة هجمات مروعة ضد «العدو البعيد» سعياً لجذب القوى الغربية إلى مواجهة عنيفة وحرب صريحة. لقد شكلت الهجمات على الولايات المتحدة الأميركية في الحادي عشر من سبتمبر 2001 ذروة تلك الموجة.
لقد نجح الهجوم العالمي المضاد للإرهاب، الذي جاء لاحقاً لذلك بشكل عام، في القضاء على قدرة القاعدة على شن هجمات واسعة النطاق، ولكن غزو العراق سنة 2003 خلق الظروف لموجة ثالثة أشعلت فتيل حرب طائفية شرسة وسمحت للقاعدة باستغلال الفوضى الموجودة في بلد يتفكك على نحو متزايد.
في نهاية المطاف تمكنت الصحوات من كسر ظهر القاعدة في العراق وساهم الربيع العربي سنة 2011 في إعادة توجيه التنمية السياسية في المنطقة، ولكن الفشل في بناء حكومة شاملة في العراق مع القمع العنيف للمحتجين في سوريا أعطى قادة المتطرفين الذين صقلتهم المعارك فرصة لإطلاق موجة رابعة.
إن هذه الموجة هي الأخطر على الإطلاق؛ فلقد انضم عشرات الآلاف من المجندين لجهود بناء الخلافة في الهلال الخصيب، وفي الوقت نفسه توسع داعش في العديد من مناطق النزاع الأخرى وجند وألهم الإرهابيين ضمن المجتمعات الغربية كما يتبين من الهجمات في باريس وبروكسل وسان بيرناردينو.
إن التعامل مع التهديد سيتطلب معركة إيدولوجية نشطة ضد قوى التعصب والكراهية، بحيث نبني على التاريخ الإسلامي القائم على الانفتاح والتسامح، ولكن النضال الإيدولوجي وحده لن يكون كافياً.
يجب أن نعترف كذلك بالأصول الحقيقية للتهديد المتطرف: الصراعات وفشل الدول من غرب أفريقيا عبر الشرق الأوسط الأوسع إلى جنوب آسيا. إن التطرف لم يخلق أزمات اليوم بل على العكس من ذلك فإن سوء الإدارة وفشل الدول هو الذي أعطى التطرف الفرصة لينتعش.
إن التعامل مع هذه الأسباب الجوهرية ستكون مهمة صعبة قد تستغرق عقودا من الزمن؛ فجزء كبير من المنطقة دخل القرن الحادي والعشرين في حالة يرثى لها وفي معظم الأماكن زادت الأمور سوءا. إن محاولة التصدي للتحدي المتطرف قد يؤدي لتفاقم المشكلة كما أن سجن المتطرفين عادة ما يعني إعطاءهم البيئة المثالية للتجنيد والتلقين والتدريب، وعوضاً عن ذلك يجب خلق فرص للقوى الإسلامية الديمقراطية للعمل.
رغم حجم التحدي؛ فإن الغرب يفتقد لسياسة واضحة تتعلق بماهية الشيء الذي يضغط من أجله وكيفية الحصول عليه. إن من الواضح أنه يتوجب استخدام القوة العسكرية، ولكن استعادة الرقة أو الموصل هي في واقع الأمر أسهل المهام التي تواجهنا؛ فكم من مرة تمكنت القوات الغربية من استعادة إقليم هيلمند في أفغانستان أو إقليم الأنبار في العراق، ولكن ما هي النتيجة؟
إن الأصعب من ذلك بكثير - والأهم من ذلك بكثير - هو التحقق من إنشاء هياكل شرعية للحكم الشامل في الأماكن التي يتم فيها طرد داعش تتعامل مع مشاعر الاضطهاد بين السنة العرب، إضافة إلى معالجة الضرر الذي لحق بقطاعات كبيرة من السكان والذي عزز مشاعر الغضب في طول المنطقة وعرضها.
بدون وضع مثل هذه الاستراتيجية فإن استعادة الرقة والموصل ستكون فقط مقدمة لموجة خامسة أكثر عنفاً، حيث سيسعى الملتزمون بتلك الموجة من ذوي الخبرة والتجربة لأن يصوروا تلك الموجة على أنها الملحمة الأخيرة في المعركة مع «الصليبيين» في الغرب. وعليه لم يكن من المصادفة أن يطلق «داعش» على مجلته الدعائية الماكرة اسم «دابق» وهو اسم المكان الذي يتنبأ أن تقع فيه نسخة أخرى لمعركة آرمجدون.
يجب ألا نقدم لأعدائنا ما يريدون على طبق من الفضة، بل يتوجب علينا عوضاً عن ذلك أن نشن عليهم حرباً ايدولوجية ونتعامل معهم كإرهابيين ونعالج الظروف التي سمحت لهم بالازدهار. يسعى المتطرفون للتصعيد من أجل دفعنا لمواجهة شاملة، ولو تعلمنا شيئاً واحداً منذ سنة 2001 فهو ألا نقع في الفخ الذي ينصبونه لنا.
* وزير خارجية السويد سابقاً ورئيساً للوزراء من 1991 إلى 1994 وهي الفترة التي تولى خلالها التفاوض بشأن انضمام السويد للاتحاد الأوروبي

